1) ثورة الذكاء الاصطناعي سيف ذو حدّين: ارتفاع الإنتاجية وتفاقم الاستقطاب
نحن اليوم في قلب ثورة الذكاء الاصطناعي. ولا بد لنا، ونحن نعرض بعض الأوضاع، أن ندرك طبيعة المشكلة الجوهرية التي تفرض نفسها على الإنسان. وأكثر المشكلات تداولًا سيناريو حلول الذكاء الاصطناعي محلّ الإنسان، أو سيناريو سيطرة البشر الذين يتحكمون في الذكاء الاصطناعي على سائر البشر. وما لا بد من مراعاته في شأن هذه المشكلات هو الطبيعة البشرية. فلا نستطيع مقاربتها إلا بتحليل للطبيعة البشرية التي نملكها بوصفنا إنسانًا عاقلًا.
في مناقشة الطبيعة البشرية، لا بد لنا أن ننظر في فكر ديكارت (1596–1650)، الذي يُسمّى أبا الفلسفة الغربية الحديثة. ففي ذروة فكره، نشر عملين: مقال عن المنهج (1637) ومبادئ الفلسفة (1644). فجعل فيهما الذهن البشري، بقضية «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، نقطة الانطلاق اليقينية لكل فكر. وشدّد على أن الطبيعة يمكن تفسيرها بقوانين رياضية وآلية، وأن الإنسان يستطيع أن يسيطر على الطبيعة بالعقل. وعرّف العالم المادي بأنه جوهر ممتد، متميز عن الذهن، وفسّر الطبيعة بأنها موضوع يتحرك بحسب قوانين آلية. وكان يرى أن الذهن البشري، المصوغ على مثال كمال الإله، له القدرة على فهم الطبيعة والسيطرة عليها. فطرح بذلك رؤية آلية للعالم لبًّا لتصوّره للطبيعة. وشرح أن الطبيعة كآلة معقدة، وأننا إذا عرفنا مبادئها استطعنا التلاعب بها والسيطرة عليها. ثم أوّل، في مركزية الإنسان (人間主義)، أن العقل البشري له القدرة على محاكاة نظام الإله، فله إذن الحق في السيطرة على الطبيعة.
وهكذا أسهم ديكارت إسهامًا كبيرًا إيجابيًا في تطوّر العلم الحديث، وأسهم في الوقت نفسه إسهامًا سلبيًا في فتح باب مركزية الإنسان في عصر الأيديولوجيات. ولا بد هنا من ملاحظة كيف قاد تحليل ديكارت للطبيعة البشرية الفلسفة الغربية الحديثة في صورة «العقلانية». ويبدو أن عقلانيته غلبت في الغرب المفكرين الذين عارضوها، كسبينوزا وديفيد هيوم، رغم أهميتهم. لكن حين قادت مركزية الإنسان في عصر الأيديولوجيات المجتمع الإنساني إلى حافة الخراب، طُعن طعنًا جديًا في منظومة الفكر الغربي المتمحورة حول الذهن. ورغم هذه التقلّبات، لا تزال عقلانية ديكارت راسخة رسوخًا عميقًا في أذهان الغربيين. ومن يستندون إليها ما زالوا يظنون أن الطبيعة، أو الطبيعة البشرية، يمكن أن تُعاد صياغتها بالقدرة الإنسانية.
ثورة الذكاء الاصطناعي مسألة تمسّ الوظائف الذهنية للبشرية. فالثورة الصناعية «ثورة العضلات»؛ وثورة الذكاء الاصطناعي «ثورة الذهن». فقد كانت الثورة الصناعية الحدث الذي حلّت فيه الآلة محلّ العمل الجسدي الإنساني، فوسّعت القوة الإنتاجية توسيعًا انفجاريًا. فصارت الآلة البخارية والكهرباء وأنظمة الإنتاج الضخم تحرّك الصناعة بدلًا من «عضلات» الإنسان. وحلّت قوة الصناعة محلّ عضلات البشر والبهائم التي كانت البشرية تستند إليها منذ ظهور الإنسان العاقل. أما ثورة الذكاء الاصطناعي، على العكس، فهي «ثورة الذهن». فبمساعدة النشاط العقلي والمعرفي للإنسان أو بالحلول محلّه، يخلق الذكاء الاصطناعي ابتكارًا من بُعد جديد. وثورة الذكاء الاصطناعي تيار يوسّع القدرات الذهنية الخاصة بالإنسان، ويغيّر في الوقت نفسه المجتمع والاقتصاد والثقافة في مجملها تغييرًا جوهريًا. فهي تجرّ بنى تحتية للبيانات والحوسبة، واتخاذ قرارات مستقلًا، والاندماج في العالم المادي، وتغيّرات في نمط الحياة الإنسانية. فكيف ننظر إلى ثورة الذكاء الاصطناعي؟
مهما تطوّر الذكاء الاصطناعي، فسيتحرك داخل الطبيعة البشرية التي خلقته. فالخطر الذي يتهدّد الإنسان العاقل لا يكمن في ذكاء اصطناعي يحلّ محلّ الإنسان، أي يعيد صياغة الطبيعة البشرية. فلو استطاع الذكاء الاصطناعي أن يعيد بناء الطبيعة البشرية، لتوقّف تاريخ الإنسان العاقل عند ذلك. ولصارت كل الأديان والأخلاق ونظريات التطور والعلوم والمنظومات الفلسفية التي راكمها الإنسان العاقل لاغية. ولما كان ذلك بعدُ تاريخ الإنسان العاقل، بل تاريخ نوع إنساني جديد يبدأ من جديد. وأن يزول كل وجود الإنسان العاقل وكل فكره مع الطبيعة البشرية يعادل موت الإنسان العاقل. وبوصفنا إنسانًا عاقلًا، علينا أن نتذكر فلسفة كونفوشيوس وسبينوزا: «لا حاجة إلى التفكير في الموت. فحكمتنا تأتي من التأمّل لا في الموت، بل في الحياة». ولذلك لا بد أن تُحال الفرضية القائلة إن الذكاء الاصطناعي سيحلّ محلّ الإنسان لا إلى ميدان الفلسفة، بل إلى ميدان الخيال العلمي.
سيناريو أن البشر الذين يتحكمون في ثورة الذكاء الاصطناعي سيصيرون يسيطرون على سائر البشر لا بد أن يُحلَّل هو الآخر انطلاقًا من الطبيعة البشرية. فحتى لو تطوّر الذكاء الاصطناعي، فسيتحرك داخل منظومة الطبيعة البشرية. فأنانية قوية وإيثار ضعيف، والأخلاق والقوانين التي تسعى إلى إدارتهما: هذه المنظومة ستحكم ثورة الذكاء الاصطناعي هي الأخرى. فلم يحكم قط أي دين منزل، ولا أي منطق ميتافيزيقي، ولا أي أيديولوجيا، حتى الآن، العالم الإنساني مفلتًا من القانون الطبيعي الذي هو الطبيعة البشرية. والذكاء الاصطناعي أيضًا سيبقى داخل هذه المنظومة. ولذلك فالأفضل أن يُترك إمكان سيطرة بشر سيطرة تامة على بشر آخرين بالذكاء الاصطناعي، هو الآخر، لا لميدان الفلسفة، بل لميدان الخيال العلمي.
أكثر من هذه الإمكانات، قد تكون المشكلات التي ستجلبها ثورة الذكاء الاصطناعي من صنف لم نتوقعه. فقد جلبت الثورة الصناعية تغيّر المناخ، الذي لم يتوقعه أحد، وله آثار واسعة في حياتنا. فالثورة الصناعية هي العلّة البعيدة (遠因) لتغيّر المناخ. فلولا الثورة الصناعية، لما كان تغيّر المناخ. فالثورة الصناعية، التي بدأت في بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر، زادت زيادة انفجارية استعمال الوقود الأحفوري كالفحم والنفط، فارتفع تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي فجأة، فصار ذلك نقطة الانطلاق البنيوية للاحترار العالمي وأزمة المناخ. لكن أحدًا من البشر لم يخطّط لذلك ولم يستعمله للسيطرة على الآخرين. وإمكان أن يقود تغيّر المناخ وحده البشرية إلى الانقراض التام ضعيف، لكن خطر أن يُحدث انهيار الحضارة وانخفاضًا كبيرًا في عدد السكان قائم فعلًا. فكلما تدهورت شروط البقاء، تقلّصت المناطق الصالحة للسكن تحت تأثير ارتفاع البحار وموجات الحرّ والجفاف والفيضانات. ويزداد إمكان المجاعات الواسعة مع انخفاض الإنتاجية الزراعية ونقص المياه. وفي الوقت نفسه، لما كان تغيّر المناخ يتيح لنواقل الأمراض المعدية أن تنتشر، فقد تندلع الأوبئة في أي لحظة.
لنقارب تغيّر المناخ انطلاقًا من الطبيعة البشرية. فتغيّر المناخ راجع إلى الفشل في ضبط الطبيعة البشرية، حيث يسعى الجشع الإنساني إلى زيادة ثرواته بلا نهاية. ولو كانت للإنسان هذه القدرة، لأدار المجتمع الإنساني ذلك قبل أن يُغمر العالم كله بالتصنيع والتجارة ويبلغ نهب الطبيعة. فمع الثورة الصناعية، ولّدت الرغبة والأنانية الإنسانيتان، وقد ضخّمهما رأس المال والتقنية، وهم إمكان استغلال الطبيعة بلا حدّ، وانتهتا إلى النتيجة التي هي تغيّر المناخ. ورغم التحذيرات المتكررة من تغيّر المناخ في العقود الأخيرة، والمشكلات التي حلّت بنا فعلًا، تُعرض البشرية عن مسؤوليتها في ضمان فرص بقاء الأجيال المقبلة.
تصير ثورة الذكاء الاصطناعي مسرحًا تتجلّى فيه الطبيعة البشرية من جديد بقوة. ذلك أن الثورة الصناعية وثورة الذكاء الاصطناعي مرآتان تُظهران الطبيعة البشرية ومضخّمان يكبّرانها. فقد جلبت الثورة الصناعية للإنسان نعمًا كثيرة. وكذلك ستجلب ثورة الذكاء الاصطناعي للإنسان نعمًا كثيرة. لكن، في الوقت نفسه، كما ضخّمت الثورة الصناعية الجشع الإنساني إلى ما يتجاوز قدرة الإنسان على ضبطه، فالمشكلة أن ثورة الذكاء الاصطناعي ستُظهر تعلّق الإنسان بالثروة وتعطّشه إلى السلطة على نحو أكبر وأفظّ. أفتجعل ثورة الذكاء الاصطناعي الإنسان أكثر حرية، أم أكثر تبعية؟
في زمن الثورة الصناعية، عرفنا الحركة اللودية (1811–1816). فاللوديون كانوا عمّال نسيج يتّبعون شخصية تُسمّى «لود»، حقيقية أو متخيَّلة، يُقال إنها بدأت تحطيم أنوال النسيج. وكانت هذه الحركة حركة تحطيم الآلات لدى العمّال الإنجليز في مطلع الثورة الصناعية. وكانت، أبعد من مجرد شغب، نضالًا للطبقة العاملة من أجل حق الحياة. فالمشاركون في الحركة اللودية كانوا أناسًا همّهم الأول البطالة وتفاقم الفقر، أي استقطاب المجتمع. ويُرى أنهم مهّدوا الأرض للحركات النقابية والديمقراطية اللاحقة. وفي الوقت نفسه، لم يكفّ الجانب السلبي عن الاتساع. فرغم الحركات النقابية والديمقراطية، تفاقمت فعلًا مشكلة الفجوة بين الأغنياء والفقراء بعد الثورة الصناعية. فقد اتسع الجشع والاستقطاب الكامنان في الطبيعة البشرية بالقدر نفسه.
الاتجاه الذي تسلكه الثورة الصناعية وثورة الذكاء الاصطناعي لا تقرّره في النهاية مشاريع الذهن البشري أو الاكتشافات الميتافيزيقية، بل الطبيعة البشرية. ومثال الماضي، أي الطريقة التي عملت بها الطبيعة البشرية عبر الثورة الصناعية، يُظهر جيدًا أي اتجاه ستسلكه ثورة الذكاء الاصطناعي. فلا بد من النظر بإيجابية إلى التقدّمات الكثيرة التي ستجلبها ثورة الذكاء الاصطناعي، والتمتع بها. وترتفع أيضًا أصوات معارضة: «لننسف الذكاء الاصطناعي كله ولنعد إلى الماضي». وذلك على نهج الحركة اللودية التي ظهرت في الثورة الصناعية. لكن، كما لم نكن نستطيع تجاهل الثورة الصناعية، لا نستطيع تجاهل الذكاء الاصطناعي. فهو التيار الكبير للمستقبل، ولا ينبغي أن نتخلف عنه. لكن كيف ندير عدم الاستقرار، داخل الأمم وفيما بينها، الذي يسبّبه تفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء، أي تقلّص الطبقة الوسطى؟
الثورة الصناعية وثورة الذكاء الاصطناعي: الاستقطاب يولد من طلب المصلحة الخاصة بازدراء المصلحة العامة
يولد الاستقطاب من تسويغ طلب المصلحة الخاصة مع تجاهل المصلحة العامة: تلك هي نظرية التلاقي بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة. فهي النظرية القائلة إن الشركات الكبرى، حتى لو طلبت مصلحتها الخاصة، فإن هذه المصلحة الخاصة تعود في النهاية مصلحةً عامة وتنفع الجميع. لكن ما تُظهره الثورة الصناعية وثورة الذكاء الاصطناعي وضع مخالف لهذه الفرضية. فهما تُظهران الأغنياء يزدادون غنى، والفقراء يزدادون فقرًا، والطبقة الوسطى تضعف. وفي النهاية، جوهر الاستقطاب يكمن في نظام سياسي اقتصادي ينتهك المصلحة العامة ويتيح طلب المصلحة الخاصة.
لننظر في جوهر الاستقطاب. لقد كوّنت الثورة الصناعية طبقة رأسمالية. فكانوا رجال الأعمال وأصحاب المصانع الذين استثمروا في الصناعات الجديدة، الآلات البخارية وأنوال النسيج والسكك الحديدية، وجمعوا ثروات هائلة. فارتفع صناعيو النسيج والصلب والسكك الحديدية «أغنياء جددًا» بعد الثورة الصناعية. فقبل ذلك، كان النبلاء وملّاك الأراضي يشكّلون الطبقة العليا في المجتمع؛ وبعد الثورة الصناعية، احتلّ «الرأسمالي الصناعي» مكانه طبقةً عليا جديدة. وأظهرت الثورة الصناعية أصحاب الملايين، وجرّت استقطاب المجتمع وتغيّر المناخ.
ولّدت الثورة الصناعية «صاحب الملايين». وبعد الثورة الصناعية، ومع انتقال النموذج بين الأمم من النهب إلى التبادل، يتكاثر «أصحاب المليارات» (من يملكون مليار دولار أو أكثر)، أغنى من صاحب الملايين بألف ضعف. ثم، مع ثورة الذكاء الاصطناعي، يظهر من يملكون مئة مليار دولار أو أكثر، «أصحاب مئات المليارات». فكم عدد أصحاب مئات المليارات؟ يُعدّ منهم ستة عشر في العالم، كلهم غربيون. وذلك يولد في نظام سياسي اقتصادي يُقال فيه إن المصلحة الخاصة والمصلحة العامة تتلاقيان.
بحسب تقارير حديثة لمنظمة أوكسفام الدولية للإغاثة والتنمية ولمختبر اللامساواة العالمي، فإن الثروة التي يملكها نحو عشرة من أغنى الناس تتجاوز ثروة النصف الأفقر من سكان العالم (نحو أربعة مليارات نسمة). وهذا يُظهر أن اللامساواة العالمية بلغت ذروة تاريخية. ونسبة اللامساواة هذه تتسارع كل عام. والفجوة لا تكفّ عن الاتساع. فالاستقطاب يبلغ حالًا لا يستطيع فيها أن يكبر أكثر. والجشع والهيمنة الكامنان في الطبيعة البشرية يواصلان الاتساع.
يصيرون «رأسماليي الذكاء الاصطناعي» الذين يتصرفون في رأس مال المستقبل. والصناعات الأكثر استفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي تشمل أشباه الموصلات، وبناء مراكز البيانات، والتجهيزات الكهربائية، ومواد البطاريات. فأمام رأسماليي الذكاء الاصطناعي هؤلاء، يفقد الرأسماليون الصناعيون، صناعيو النسيج والصلب والسكك الحديدية، سلطتهم. فرأسماليو الذكاء الاصطناعي يصيرون يحتكرون البيانات. وإذا كانت الأرض والآلات، في الثورة الصناعية، لبّ رأس المال، فإن البيانات والخوارزميات هي لبّه اليوم. ويصيرون يملكون الهيمنة على المنصّات، لأن شركات المنصّات العالمية تستولي على الأسواق بتقنية الذكاء الاصطناعي. وقبل كل شيء، يقوّون تركّز الثروة. فحفنة من رجال الأعمال والمستثمرين تراكم أصولًا فلكية، فتفاقم الاستقطاب الاجتماعي. وقوة ثرواتهم فلكية إلى حدّ أنهم يصيرون يستولون على النفوذ السياسي والاجتماعي. فيرتفع رأسماليو الذكاء الاصطناعي لا مجرد أصحاب سلطة اقتصادية، بل طبقة حاكمة جديدة توجّه السياسة والأخلاق بل الثقافة.
وراء أصحاب المليارات تكمن البطالة وتفاقم الفقر. فأكثر من التقنية نفسها، يصير التمرّد على ظلم التوزيع وعلى قصور شبكات الأمان الاجتماعي مركز المشكلات الاجتماعية. وتصير المشكلة إمكان أن تستعمل الشركات والحكومات وجماعات السلطة التي توظّف الذكاء الاصطناعي إياه، من أجل مصلحتها الخاصة، وسيلةً للسيطرة على المجتمع. وفي الولايات المتحدة، التي تضم أكبر عدد من أصحاب مئات المليارات، ثمة أيضًا من يرون في ذلك أكبر مشكلة ويسعون إلى تصحيحها. فحين ينهار مجتمع أو دولة، تنهار معه الشركات الكبرى في النهاية. وهؤلاء أناس لهم نظرة واسعة ترى حقيقة هذه «العلائقية».
جهود وارن بافيت مثال جيد. فبافيت رجل عارض «تخفيض الضرائب عن الأغنياء» ودافع بقوة، على العكس، عن زيادة الضرائب على الأغنياء. فقد انتقد الواقع الذي يدفع فيه موظفوه نسبة ضريبية أعلى منه، وشدّد على أن أصحاب الدخول العالية جدًا لا بد أن يدفعوا ضرائب أكثر. ففي مقالة رأي نشرها عام 2011 في نيويورك تايمز، بعنوان «كفّوا عن تدليل فاحشي الثراء»، دعا إلى زيادة الضرائب على الأغنياء لحلّ العجز في الميزانية الأمريكية. وأشار إلى أن نسبة ضريبة الدخل التي دفعها (17.4%) أدنى من نسبة موظفي مكتبه (33–41%). وانتقد انخفاض متوسط النسبة الضريبية لأغنى 400 مكلّف من 29.2% عام 1992 إلى 21.5% عام 2008. وأضاف في نصّه فكرة أن «النسب الضريبية الأعلى لا تمنع الاستثمار ولا خلق الوظائف».
انتهت حجته، في عهد إدارة أوباما، إلى اقتراح سياسة سُمّي «قاعدة بافيت»: المبدأ القائل إن أصحاب الدخول العالية جدًا، مليون دولار أو أكثر في السنة، لا بد أن يدفعوا على الأقل النسبة الضريبية نفسها التي تدفعها الطبقة الوسطى. وكانت محاولة لتقليص تخفيضات الضرائب عن الأغنياء وتعزيز العدالة الضريبية. فلم تر النور، بسبب النظام السياسي الاقتصادي الغربي القائم على الفردانية. فقد واصل خصومه، متذرّعين بما يُسمّى أثر التساقط، الدفاع عن خلق الثروة بالفردانية. وفي النهاية، لم تُقرّ قاعدة بافيت. وأبعد من الولايات المتحدة، صارت «ضريبة عالمية على الثروة» تُناقش في العالم. فمع اتفاق مجموعة العشرين (2024)، نوقشت خطة تطبّق نسبة ضريبية دنيا دولية على «الثروات الكبيرة جدًا»، بأهداف منع التهرّب الضريبي، وتخفيف اللامساواة، وتمويل مواجهة المناخ والفقر. ودخلت الضريبة الدنيا العالمية (最低限稅) على الشركات، بنسبة 15%، طور التطبيق. لكن الأهم، أي فرض ضريبة عالمية مشتركة على الثروات الفردية، فشل لغياب الاتفاق السياسي. وكل ذلك جرى داخل المنظومة الفردانية الغربية. فقد فشلت أفكارهم، رغم جهود كثيرة، لأنها لم تُترجم إلى سياسة حكومية. وهو جهد يعسر عليه أن يبقى داخل المنظومة الفلسفية الغربية، بمنطقها في الفردانية والتلاقي بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.
في شأن ثورة الذكاء الاصطناعي، المسألة التي يوليها السيناتور الأمريكي ساندرز أكبر اهتمام هي بالتحديد تفاقم الاستقطاب. فهو يرى المشكلة لا في أن ثورة الذكاء الاصطناعي تجعل إعادة بناء الطبيعة البشرية ممكنة فتعمل عملًا إيجابيًا، بل في اتساع الهيمنة، تعبير الأنانية في الطبيعة البشرية. وفي شأن تفاقم اللامساواة الاقتصادية، حذّر من أن الذكاء الاصطناعي قد يجرّ خسائر هائلة في الوظائف، وأن منافعه يُخشى كثيرًا أن تتركّز في بضع شركات كبرى وفي «طبقة أصحاب المليارات». فهو يعبّر هنا عن القلق من أن يفاقم أكثر الاستقطاب الاقتصادي القائم. وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يغيّر لا الاقتصاد وحده، بل السياسة والتعليم والبيئة، بل طريقة خوض الحرب. وخاصةً أنه يرى أن الاستعمالات العسكرية كـ«الجنود الروبوتات» يمكن أن تفاقم عدم الاستقرار الاجتماعي وتركّز السلطة. وساندرز، مع إقراره بأن الذكاء الاصطناعي «تقنية ثورية مغيِّرة»، لام الكونغرس والمجتمع على تأخرهما الكبير في النقاش والتنظيم. بل بلغ به الأمر حدّ المطالبة بوقف مؤقت لبناء مراكز البيانات، مشدّدًا على أن الاتفاق الاجتماعي وأنظمة التنظيم لا بد أن تلحق بسرعة تطوّر الذكاء الاصطناعي. ونظرة ساندرز أن ثورة الذكاء الاصطناعي ليست مجرد مسألة تقدّم تقني، بل محفّز خطير قادر على توسيع بنى السلطة الاجتماعية واللامساواة. فكما وسّعت الثورة الصناعية الفجوة بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية، تستطيع ثورة الذكاء الاصطناعي أن توسّع آلية مشابهة للاستقطاب.
وسيلة مواجهة الاستقطاب تكمن في توزيع الثروة. وهذا يقودنا إلى القضية القائلة إنه لا بد من التمييز بين طلب الربح والجشع: كيف يُضمن طلب الربح ويُدار الجشع. وهذه المسألة تعيدنا مرة أخرى إلى مسألة المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. فإذا ضُمنت المصلحة العامة، تراجع الاستقطاب، أي حُميت الطبقة الوسطى؛ وإذا أُتيح طلب المصلحة الخاصة، ازداد الاستقطاب وتقلّصت الطبقة الوسطى. وتقلّص الطبقة الوسطى سمة الغرب. فالاستقطاب يتجلّى في ركود أجور الطبقة الوسطى وارتفاع كلفة المعيشة. فقد ارتفعت الإنتاجية باطّراد، لكن الأجور لم تتبعها. ومع الارتفاع الحادّ في تكاليف السكن والتعليم والصحة، تتراجع القدرة الشرائية الحقيقية للطبقة الوسطى. وفي الغرب، بسبب الأتمتة والعولمة، تُنقل وظائف الصناعة التحويلية والصناعات التقليدية إلى الخارج أو تحلّ الأتمتة محلّها. وكلما زالت «الوظائف الوسيطة» المستقرة التي كانت تسند الطبقة الوسطى، وحلّت محلّها وظائف خدمات هشّة وعمل زهيد الأجر، اتسعت فجوة الثروة.
ارتفاع أسعار الأصول، العقارات والأسهم وغيرها، لا ينفع إلا الطبقة العليا التي تملك الأصول. فالطبقة الوسطى يعسر عليها أن تراكم ثروة، وتعتمد أكثر على الديون (قروض الدراسة، والقروض العقارية). وعلى صعيد السياسات والبنية الضريبية، تُصمَّم السياسات الضريبية والاجتماعية لصالح الطبقة العليا، أو لا تحمي الطبقة الوسطى بما يكفي. وفي الولايات المتحدة خاصةً، عبء تكاليف الصحة والتعليم ثقيل إلى حدّ أن الطبقة الوسطى تُدفع بسهولة نحو الطبقة الدنيا. ومنذ سبعينيات القرن العشرين، تتراجع حصة الطبقة الوسطى باطّراد في الولايات المتحدة وسائر البلدان الغربية. ويتجلّى ذلك في استقطاب متزايد: فتظهر بنية تغتني فيها الطبقة العليا، وتزداد الطبقة الدنيا هشاشة، وتزول الطبقة الوسطى شيئًا فشيئًا. وآثاره الاجتماعية تقود إلى الاستقطاب السياسي، وعدم الاستقرار الاجتماعي، وإضعاف أسس الديمقراطية. ففي الغرب، تنهار الطبقة الوسطى تحت الأثر المتزامن لأربعة محاور: تغيّر البنية الاقتصادية (الأتمتة والعولمة)، وارتفاع كلفة المعيشة، وفجوة الثروة، وفشل السياسات.
2) «كيف يمكن أن تنهار الحضارة الغربية»: زوال الطبقة الوسطى
حقق النظام الغربي لاقتصاد السوق نجاحًا كبيرًا في مواجهة الجشع الذي هو الدولانية. لكن، مع مرور الزمن، صار جشع القبلية يتهدّد اقتصاد السوق الغربي. والقبلية الغربية امتداد للفلسفة الغربية في الفردانية. فمذهب «دعه يعمل» الغربي، بإطلاقه العنان للاستقلال الفردي، اجتاز مسارًا تحوّل فيه الاستقلال إلى حرية. وهذا، مقترنًا بنظرية التلاقي بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة على مستوى الفرد والجماعة، يُنتج الظاهرة التي تتقدّم فيها المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. ونظرية التلاقي بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة تنتهي بالضرورة إلى تعميق الفجوة بين الأغنياء والفقراء في النظام الاقتصادي لبلد ما. فظاهرة الدولانية، حيث كان الملوك يديرون اقتصاد الأمة لمصلحتهم الخاصة ويوسّعون فجوة الدخل مع الشعب، تتحول اليوم إلى ظاهرة يطلب فيها زعماء القبلية، مكان الملوك، مصلحتهم الخاصة ويوسّعون فجوة الدخل مع الشعب.
عرضت مقالة بعنوان «كيف يمكن أن تنهار الحضارة الغربية»، ناظرةً إلى المستقبل، المشكلات التي يواجهها الاقتصاد السياسي الغربي. 459 وهي تشرح أن الحضارة الغربية، المبنية على قيم كالديمقراطية والحرية الفردية والتسامح الاجتماعي، قد تواجه أزمة في غضون ثلاثين عامًا، في جيل واحد. وتطرح سببين: قد تنهار الحضارة الغربية بتدمير المنظومة البيئية، والاحترار العالمي منه، أو بترك الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع. فحين لا تستهدف جماعات النخبة في البلدان المتقدّمة إلا مواصلة طلب ثروتها الخاصة وتكون لامبالية بحياة بقية البشر، ينتهي مثل هذا المجتمع إلى التقهقر. وهذه المشكلة لا تبقى شأنًا داخليًا لبلد واحد. فتفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل الأمم يجرّ بالضرورة تفاقم الفجوة بين الأمم. وفي النهاية، يصير ذلك مشكلة الأرض كلها.
الفجوة بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة تتسع يومًا بعد يوم. فالبلدان الغنية تزداد غنى كل يوم، والبلدان الفقيرة يصير مجرد تدبّر أمرها أعسر كل يوم. 460
البلدان المتقدّمة، وكلٌّ منها منشغل بتفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء داخله، ليس لديها متّسع للانصراف إلى مشكلات العالم. وحتى إذا وضعنا المشكلات العالمية جانبًا، فالبلدان المتقدّمة معرّضة جدًا لأن تعرف أزمة حاسمة بسبب مشكلاتها الداخلية وحدها. فلنأخذ مثال الولايات المتحدة والمملكة المتحدة: إذا استمر الاتجاه الحالي للفجوة بين الأغنياء والفقراء، ستكون الطبقة الوسطى قد زالت نحو عام 2050 في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وسينقسم سكانهما قسمين: الأغنياء والفقراء جدًا.
نحو عام 2050، ستكون الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قد صارتا بلدين ليس فيهما، في الأساس، إلا طبقتان اجتماعيتان. فجماعة صغيرة من النخبة ستعيش جيدًا، لكن أكثر الآخرين سيواجهون شروط حياة أقسى فأقسى… وإذ يعيشون في السخط والخوف، سيتشبثون بالدين أو العرق أو الأمة. وسيتشبث الأغنياء أكثر بالثروات التي يملكونها، وينتقلون إلى نظام يجعل أكثر الفقراء يعملون بجهد أشدّ فأشدّ.461
في مثل هذا البلد، يخوض الناس الواقفون في الطرفين صراعًا ضاريًا، ويفقد البلد قدرته على العمل بوصفه بلدًا. وتُهمل شيئًا فشيئًا قيم كالديمقراطية والحرية الفردية والتسامح. ذلك هو «فخّ البلدان المتقدّمة» الذي وقع فيه الغرب. وما يعنيه فخّ البلدان المتقدّمة تشير إليه بدقة كلمةٌ لجان كلود يونكر، رئيس وزراء لوكسمبورغ آنذاك (رئيس وزراء تسعة عشر عامًا، من 1995 إلى 2013، ثم رئيس المفوضية الأوروبية)، قالها عام 2007، قبل أن تنفجر أزمة اليورو: «نعرف جميعًا ما ينبغي فعله، لكننا لا نعرف كيف نُنتخب من جديد بعد أن نفعله». فكلام يونكر يستهدف قبل كل شيء الديون الهائلة التي تحملها البلدان الغربية المتقدّمة، والنفقات الاجتماعية المرتبطة بها، والأنظمة السياسية العاجزة عن علاجها.
لتجنّب ذلك، لا بد للبلدان المتقدّمة أن تخرج من «تفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتكرار دولة رعاية ممولة بالدين». فإن فعلت، استطاعت أن تتجنّب انهيار الحضارة الغربية. لكن الزمن لا ينتظر الفعل الإنساني بلا حدّ. فكثير من العلماء يتوقعون أن الوضع الحالي، إن لم يتغير، سيقود إلى الانهيار. ومنهم من يرى أن الحضارة الغربية إن انهارت، فستبقى بلدان قوية كالصين.462
لماذا تستطيع الحضارة الشرقية أن تبقى حتى لو تراجعت الحضارة الغربية؟ لا بد من النظر في الأسباب التي جعلت الشرق يحقق نموًا اقتصاديًا مذهلًا، ويكون الوحيد على الأرض الذي خرج من فخّ الدخل المتوسط، وينجح في بناء اقتصاد سوق ديمقراطي. ففي مقالة «الثقافة مهمة»، يعبّر الباحث الأمريكي لورنس إ. هاريسون، متخذًا مثالًا الدائرة الثقافية الكونفوشيوسية في الشرق، عن نظرة ثاقبة إلى الارتباط الوثيق بين ثقافة بلد ما وتطوّره الاقتصادي.
سنغافورة وهونغ كونغ وتايوان تقع في المناطق المدارية… وتطوّرها الاقتصادي الخارق يكرّر النجاح الاقتصادي لليابان وكوريا، في الدائرة الثقافية الكونفوشيوسية… والنجاح الاقتصادي للأقليات الصينية في تايلاند وإندونيسيا وماليزيا والفلبين المدارية يُظهر هو الآخر أهمية الثقافة الكونفوشيوسية. والأمر نفسه في الأقليات اليابانية الصغيرة في البيرو والبرازيل. 463
كان باحثو أمريكا اللاتينية يطرحون في الماضي «أعذارًا»: فالتطور الاقتصادي عسير بسبب المناخ، أو الماضي الاستعماري، أو بنى الهيمنة (نظرية التبعية)، أو التمييز العرقي. ويشرح الأستاذ هاريسون أنه، بالنظر إلى أهل شرق آسيا في أمريكا اللاتينية، صينيين وكوريين ويابانيين، لا يمكن أن يكون أي شيء من ذلك هو السبب. فقد أظهر أنه لا يمكن تحقيق التطور الاقتصادي بالمؤسسات أو النماذج وحدها؛ أي إن الثقافة هي التي تقرّر المؤسسات والنماذج.464
يشرح أنه، بالنظر إلى الأرض كلها، لم يلحق بالغرب إلا الشرق، وأنه، خارج الشرق والغرب، لم يصر أي بلد بعدُ متقدّمًا، لا في التطور الاقتصادي ولا في الديمقراطية. ويشير إلى أنه، في النهاية، لا يعيش إلا نحو 30% من البشرية في ديمقراطيات متقدّمة، وأن الجهود المبذولة لأجل الـ70% الباقين لم تُثمر رغم أكثر من نصف قرن من الجهود. 465
لم تلحق بصفوف البلدان المتقدّمة، بحسب خطة روستو للتنمية، إلا حفنة من البلدان، كإسبانيا والبرتغال وكوريا وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ. فمن بين نحو ستة مليارات إنسان اليوم، لا يقف في صفوف الديمقراطيات المتقدّمة إلا نحو مليار. 466
والواقع أن التطور الاقتصادي لبلدان شرق آسيا، واليابان في المقدّمة، ثم التنانين الأربعة، كوريا وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة، والصين، لا سابق له في التاريخ في سرعته واتساعه. ويسمّيه الباحثون الغربيون جملةً «أخلاقيات العمل الكونفوشيوسية»، ويقارنونه بما يُسمّى «أخلاقيات العمل البروتستانتية»، التي كانت للغرب عند صعود الرأسمالية الغربية.
ويعدّون من سمات أخلاقيات العمل الكونفوشيوسية الجدّ، والادّخار، وشغف التعليم، والحكومة المتواضعة، وتقليد «الإشباع المؤجّل»، أي إرجاء متعة الحاضر من أجل كسب أعظم في المستقبل، وأنظمة قانونية وحماية اجتماعية ناجعة. وفي النهاية، برهنت البلدان «الكونفوشيوسية» على أنها تملك كل شروط نجاح الاقتصاد والديمقراطية ملكًا تامًا. وهذا الصعود لشرق آسيا يجعل باهتة نظرة ماكس فيبر القائلة إنه يستحيل على الشرق أبدًا أن يحقق تطورًا اقتصاديًا ويلحق بالغرب.467 وهو تحيّز غربي بالكامل، يشوّه جوهر الفكر السياسي الاقتصادي.
تتشارك كل بلدان شرق آسيا القيم الكونفوشيوسية التي تعبّر عنها التربية، والتطوّر، وأخلاقيات العمل، والجدارة، والجدّ والادّخار. وقد كشف نموها الاقتصادي تكلّف ما كان ماكس فيبر يؤكده في كتابه الكونفوشيوسية والطاوية. فقد كان يؤكد أن النمو الرأسمالي مستحيل في الصين لغياب «التوتر الناجم عن عدم اليقين في كون المرء من المختارين أو لا»، الذي يُرى في الكالفينية. 468
أخلاقيات العمل الكونفوشيوسية في الشرق، لما كانت تُمارَس من أجل الذات، تُمارَس بدافع حاجة داخلية، بلا صلة بتغيّرات النظرية الدينية أو بالمصير الذي تعلنه عقائد نهاية العالم؛ فيمكن القول إن لها أساسًا حضاريًا متينًا. والصحافة الغربية تذكر قيمًا شرق آسيوية: «التعليم، والجدّ، والادّخار، وموقف إرجاء متعة الحاضر من أجل إنجاز أعظم في المستقبل».469 والإحصاءات الغربية أيضًا، باتخاذ الأمريكيين مرجعًا بين الأوروبيين والأمريكيين والشرقيين، تشير إلى أن الأوروبيين يعملون أقل من الأمريكيين بنحو 20%، والشرقيين أكثر بنحو 30%، وتصف أخلاقيات العمل الشرقية بأنها الأقوى.
كان كثير من الخبراء يرون أن سبب عدم وقوع التطور الاقتصادي في شرق آسيا يكمن بالتحديد في الفكر الكونفوشيوسي… وكانت هذه النظرة سائدة حتى منتصف القرن العشرين. لكن صار يُرى أن القيادة الثقافية والسياسية نفسها هي التي تؤدي الدور الحاسم في استخراج العناصر اللازمة لقفزة اقتصادية في شرق آسيا: تعليم قوي، وحسّ الإنجاز، والجدارة، والجدّ والادّخار. 470
في المجمل، تجد الدراسات في الدين أن المجتمعات البروتستانتية واليهودية والكونفوشيوسية فيها من العناصر المؤاتية للتطور الاقتصادي أكثر مما في المجتمعات الكاثوليكية والإسلامية والأرثوذكسية اليونانية، في حين تُظهر هذه الأخيرة عناصر تعيق التطور الاقتصادي.471
يمكن القول في النهاية إن الغرب، من منتصف القرن التاسع عشر إلى أواخر القرن العشرين، سعى، بلا سبب واضح، إلى ألّا يجد في الحضارة الشرقية إلا العيوب التي تفسّر لماذا غلب الغربُ الشرقَ. وخاصةً حتى منتصف القرن العشرين، سُعي سعيًا قويًا إلى إيجاد أسباب تأخّر الشرق في التطور الاقتصادي والديمقراطية في الطابع السابق على الحداثة، واللاعقلاني، وغير العلمي، وغير الديمقراطي للكونفوشيوسية والطاوية.472 لكن الغرب، منتبهًا إلى الاختراقات المتواصلة للشرق في التطور الاقتصادي والديمقراطية والتطور الاجتماعي، لم يبدأ إلا في مطلع القرن الحادي والعشرين يقرّ شيئًا فشيئًا بقيمة الفكر السياسي الاقتصادي الكامن في الثقافة الروحية للشرق: الكونفوشيوسية (تقليد إعلاء التربية والجدارة، وثقافة الأخلاق الكونية والجدّ والادّخار)، والطاوية (ضمان المبادرة الاقتصادية الفردية بضرائب خفيفة وحكومة متواضعة، والانسجام بين الطبيعة والإنسان)، والبوذية (فكرة الرحمة، وقيمة عدم التعلّق بالممتلكات)، وغيرها.
مواطن القوة هذه في الشرق لم تولد مصادفة. ولا يمكن كذلك صنعها بقرار سياسي أو بعزيمة. بل هي متشرّبة في التاريخ والتقليد. فللشرق خلفية ثقافية عميقة واسعة خاصة به، مختلفة عن الغرب، وأساس فلسفي. أي إن الشرق، في الفكر السياسي الاقتصادي، يحترس من القبلية بثبات أكبر من الغرب. وطابع أخلاقيات العمل الشرقية يوجد في نماذج التطور الاقتصادي في الشرق والغرب. فالفرق أن الشرق يُظهر نموذجًا يطلب التطور الاقتصادي بإدارة أنانية الطبيعة البشرية، والغرب نموذجًا يطلبه بإطلاق العنان لها.
في الشرق، الذي تقدّم على الغرب بألفي عام في بناء الدول القومية، حكمة وسياسات يمكن إيجادها في الفكر السياسي الاقتصادي الذي يظهر مع بناء الدول القومية. وقد شرح الراحل لي كوان يو، رئيس وزراء سنغافورة، جيدًا الفكر السياسي الاقتصادي، المختلف عن فكر الغرب، الذي يوجد في الفكر الشرقي. فهو يشرح المشكلات السياسية الاقتصادية التي يجتازها الغرب، والتي حلّت بالولايات المتحدة مع زوال الشيوعية:
لكي ينجح مجتمع، لا بد أن ينمّي القادرين بالمنافسة، وأن يعطي في الوقت نفسه الفرص لكل واحد. أي لا بد أن تتعايش المنافسة والتعاون. فإذا تقاسم الجميع نتائج متشابهة، كما في الشيوعية، فلا تقدّم. ولهذا زالت الشيوعية. وعلى العكس، إذا لم يُتركّز إلا على تنمية القدرات، بحيث يأخذ الناجحون كل شيء ولا يبقى لغير الناجحين شيء، اتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء أكثر فأكثر. وفي النهاية، كما في أمريكا، ينكسر توازن المجتمع وإنصافه. 473
يرى أنه، في هذه الظروف، تكمن وسيلة تحقيق التطور الاقتصادي مع حلّ مشكلة الفجوة بين الأغنياء والفقراء في الفلسفة السياسية الاقتصادية الشرقية، ويعرض نظرية الين واليانغ (陰陽). ففي بلد ما، لا بد أن ينسجم دعم الضعفاء اقتصاديًا والمكافأة العادلة لمن حققوا التطور الاقتصادي بحسب فلسفة الين واليانغ. أي لا بد من جعل المنافسة والتعاون يتعايشان:
أفضل وسيلة توجد في نظرية الين واليانغ الشرقية. فلا بد من طلب المنافسة والتعاون معًا… وهذا مختلف عمّا يفعله الليبراليون الغربيون. فهم يدفعون الشعب إلى نبذ كل حياء والمطالبة بلا انقطاع بالحماية الاجتماعية بوصفها حقًا. وفي النهاية، تنفجر النفقات الاجتماعية في ذلك البلد.474
في هذه الظروف، نواجه المهمة الأولية للثقافة: كيف نحفظ مواطن القوة الأساسية في الثقافة الشرقية، تقاليد إعلاء التربية، والجدارة، والجدّ والادّخار، وتهذيب النفس. فهي تُظهر «إقصاء الأخلاق في النموذج الغربي مقابل الدور المحوري للأخلاق في النموذج الشرقي»، وذلك هو أهم عامل يفصل بين الواقعين السياسيين الاقتصاديين في الشرق والغرب في القرن الحادي والعشرين. فالنظام السياسي الاقتصادي الغربي، الذي يقصي الأخلاق ويستند أساسًا إلى القانون، يفتح الطريق أمام المجمّع العسكري الصناعي البرلماني ليطلب مصلحته الخاصة.
طلب جماعات المصالح لمصلحتها الخاصة يتهدّد المينبن
البرلمان الذي يضع القوانين لا بد أن يطلب المصلحة العامة في خدمة الشعب. وقبل ذلك مرحلة مهمة أخرى: لا بد أن ينتخب الشعب ممثّلين له من سيجتهدون في خدمة المصلحة العامة. ذلك هو عماد الديمقراطية والمينبن (民本)، أي الحكم من أجل الشعب. لكن إذا امتلأ البرلمان بممثّلين يقدّمون إعادة انتخابهم على المصلحة العامة، فقدت الديمقراطية والمينبن معناهما. وفي النهاية، اختيار الشعب هو الذي يقرّر. فبين من يدعو إلى الجدّ والادّخار ومن يعد بضمان النتائج أولًا بقوته السياسية، يُظهر الشعب طبيعة تختار الثاني. فبلا وضع طارئ، كحرب أو غزو آتٍ من عالم آخر أو اصطدام كوكبي، ينتخب الشعب من يعد بنتائج فورية.
نزوع البرلمانيين إلى تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، ونزوع الشعب إلى تفضيل الممثّلين الذين يعدون بكسب خاص فوري على من يقدّمون المصلحة العامة: هذان النزوعان وجها عملة واحدة. وهذه العملة هي الأنانية، أقوى قوة في الطبيعة البشرية. فمن الطبيعة البشرية أن يقدّم الشعب والبرلمانيون على السواء الأنانية، من أجل حفظ الذات، على المصلحة العامة، التي هي إيثار. فحين يطول السلم، ينبسط وضع تُطلب فيه المصلحة الخاصة بدلًا من المصلحة العامة؛ فيتهدّد الخطر حكم القانون والديمقراطية الليبرالية. فإذا انهار أحد أعمدة فصل السلطات، لم يستطع النظام أن يقف على قدمين، وفقدت الديمقراطية معناها.
التأييد الذي يمنحه الشعب لبرلمانه ضعيف جدًا. ففي كوريا كما في الولايات المتحدة، يدور حول 20%. فالشعب يرى بلا انقطاع البرلمانيين يتركّزون أولًا على مصلحتهم الخاصة، أي إعادة الانتخاب، بدلًا من المصلحة العامة. وفي كوريا، تبرعات الشركات أو المنظمات غير قانونية. لكن في الولايات المتحدة وبلدان غربية متقدّمة أخرى، التبرعات مباحة على نطاق واسع. وفي الولايات المتحدة خاصةً، الدعم غير المباشر عبر لجان العمل السياسي للشركات مباح مؤسسيًا. وأول عامل في إعادة انتخاب المنتخَب الأمريكي هو المال اللازم للانتخاب: تبرعات الأفراد أو رجال الأعمال. فالمنتخَبون يستعملون القانون لتنمية المكاسب التي يحتاج إليها متبرّعوهم، والمتبرّعون يوفّرون المال الذي يحتاج إليه المنتخَبون لإعادة انتخابهم. وكثير من المنتخَبين، قبل أن يكونوا قادة ذوي مكانة القائد (جون تسي، 君子)، هم أناس أوفياء لغريزة حماية الذات، أي مشاركون (شياو رن، 小人). ودعم لجان المتبرّعين أو أوساط الأعمال مباشر عندهم. فحين تتحد أوساط الأعمال والبرلمان، لا يكون للسلطة التنفيذية في كثير من الأحيان خيار إلا أن تتبع. وفي النهاية، تكبر الظاهرة التي تتجاهل فيها أوساط الأعمال والبرلمان والسلطة التنفيذية، بدافع القبلية، المصلحة العامة وتطلب مصلحتها الخاصة لتبقى هي أولًا.
ظاهرة إضرار القبلية بالمصلحة العامة ازدهرت هي الأخرى في ظل نظام المذهب التجاري. فقد حكم آدم سميث حكمًا سلبيًا على سياسة كولبير (1619–1683)، الذي يُعدّ الشخصية الممثّلة لسياسة المذهب التجاري. فقد كان كولبير المراقب العام للمالية في عهد لويس الرابع عشر ثمانية عشر عامًا، من 1665 إلى 1683. وقد طلب الحمائية واستعملها وسيلةً لتقاسم المكاسب بين الملك ورجال الأعمال. والواقع أن من أول التدابير التي اتخذها كولبير في المالية إنشاء مصنع ملكي للمرايا ليحلّ محلّ واردات الزجاج من البندقية. وبعد سبع سنين، حين بدأ المصنع يُنتج زجاجًا مقبولًا، منع كل استيراد للزجاج من البندقية. ففي ظل سياسة المذهب التجاري، كان كل بلد يرى مستقبله في سباق تقليص الواردات وزيادة الصادرات؛ فطُلبت إذن حمائية قصوى وتنمية صناعات بديلة للواردات. لكن في ظل هذا النظام السياسي الاقتصادي، نما الجشع القبلي بطبيعة الحال بحرية. أي إن هيئات كالمصنع الملكي المذكور نالت من الدولة حماية احتكارية وامتيازات. والدولة، أي الأسرة المالكة، إذ نسجت مع هذه الشركات علاقة تجني منها فيها المداخيل بالضريبة أو بصيغ أخرى ملائمة، أوجدت وضعًا لم يُضحَّ فيه في النهاية إلا بعامة الشعب.
لا يسعنا إلا أن نظن أن أكثر الأنظمة والقوانين والمراسيم والأوامر والقرارات العامة للحكومة أو الملك أو البرلمان لتقييد التجارة وتنظيمها وتوجيهها هي في النهاية إما أخطاء سياسية، وإما من صنع رجال ماكرين لكسبهم الخاص، تحت الاسم الجميل للمصلحة العامة.475
نزوع القبلية إلى الإضرار بالمصلحة العامة تقوّى عبر المذهب التجاري، ثم الثورة الصناعية. فآدم سميث، ومانكور أولسون، والرئيس أيزنهاور، واقتصاديو المال المعاصرون يعبّرون بالتحديد عن هذا الإنذار إزاء القبلية. فقد كان آدم سميث يرى أن تجّار البلد وصنّاعه، لما كانوا جميعًا يستطيعون طلب ربح أكبر بالاحتكار، كانوا يسعون إلى إقصاء المنافسين الأجانب، وأن من يُضحّى بهم بهذه السياسات هم في النهاية عامة الناس. ولذلك بدأ يدافع عن مذهب «دعه يعمل» في النشاط الاقتصادي للشعب، بإقصاء تدخّل الدولة، وعن حرية التجارة في تجارة الأمة بدلًا من حمائية المذهب التجاري.476 وآدم سميث، وهو يحرّر أنانية كل فرد من الدولانية، بدأ في الوقت نفسه يقلق من الجشع القبلي:
قلّما يجتمع أهل الحرفة الواحدة، ولو للهو أو للتسلية، دون أن ينتهي الحديث إلى مؤامرة على الجمهور، أو إلى مكيدة لرفع الأسعار.477
ويذهب آدم سميث خطوة أبعد، فيقرّر أيضًا أن هذا الجشع القبلي يعسر جدًا حكمه بالقانون:
يستحيل في الحق منع هذه الاجتماعات بقانون يمكن تنفيذه، أو يتفق مع الحرية والعدالة. لكن إن لم يستطع القانون أن يمنع أهل الحرفة الواحدة من الاجتماع أحيانًا، فلا ينبغي له على الأقل أن يفعل شيئًا لتيسير هذه الاجتماعات، وأقل من ذلك أن يجعلها ضرورية.478
ويحذّر أولسون هو الآخر من إمكان أن يتهدّد الجشعُ القبلي، الذي سمّاه «جماعات المصالح الخاصة»، الديمقراطيةَ. فهو يحكم بأن النظام الديمقراطي يملك أدوات حسنة الصنع لمنع الدولانية من طلب مصلحتها الخاصة، لكن من العسير جدًا منع القبلية من طلب مصلحتها. أي إن فصل السلطات يمنع جيدًا القائد من طلب مصلحته الخاصة، لكنه لا يكاد يؤدي دورًا أمام اتحاد أوساط الأعمال والبرلمان لطلب مصلحتهما الخاصة.
مع أن الديمقراطية في موقع ممتاز لمنع قادتها من اقتطاع فائض المجتمع اعتباطًا، فمن الصعب جدًا، في ديمقراطية مستقرة منذ زمن طويل، منع جماعات المصالح الخاصة من التحكّم في مجمل السياسة الاقتصادية للبلد.479
وكان أولسون أيضًا يواجه بلا مواربة حقيقة أن «جماعات الأفراد تعمل من أجل مصلحتها الخاصة، لا من أجل المصلحة العامة». ولذلك توقّع، بقلق، أن السياسات السياسية الاقتصادية التي تضعها جماعات المصالح الخاصة ستضرّ بالمصلحة العامة:
السياسات السياسية الاقتصادية التي تضعها جماعات المصالح الخاصة تميل إلى أن تكون حمائية معادية لتقدّم العلم والتقنية. لكن هذه السياسات، بطبيعتها، تركّز المكاسب في جماعة المصلحة بينما يدفع الشعب كله كلفتها بالتساوي. وبحسب هذا المنطق، لا تكون المقاومة الشعبية لسياسات جماعات المصالح كبيرة. ولذلك، مع الزمن، تكبر جماعات المصالح الخاصة هذه أكثر فأكثر، وينتهي اقتصاد البلد إلى التأخر.480
قد يتخذ ذلك أشكالًا كثيرة. فالرئيس أيزنهاور، وهو في منصبه، رأى إدارته لشؤون الدولة، التي كانت تطلب المصلحة العامة، تتأثر كثيرًا بالروابط الوثيقة بين الجيش والشركات، التي كانت غايتها ألّا تطلب إلا مصلحة هذه الجماعات. ولذلك ترك، وهو يغادر الرئاسة بعد ثماني سنين، في خطاب شهير عام 1961، تحذيرًا من «المجمّع العسكري الصناعي» بالتحديد:
في مجالس الحكم، لا بد أن نحترس من اكتساب المجمّع العسكري الصناعي نفوذًا غير مسوَّغ، سواء أكان مطلوبًا أم غير مطلوب. فخطر الصعود الكارثي لسلطة في غير موضعها قائم وسيبقى. ولا يجوز أبدًا أن ندع ثقل هذا التحالف يعرّض حرياتنا أو مساراتنا الديمقراطية للخطر.481
لما كان هذا المجمّع العسكري الصناعي يمارس نفوذه في النهاية عبر البرلمان، وكان لا بد لسلطة السلطة التنفيذية أن تدخل هي الأخرى في اللعبة، صار يُسمّى أيضًا «المجمّع العسكري الصناعي البرلماني». وهذا القلق الذي ينشأ داخل الدول الديمقراطية يُظهر جيدًا أننا بلغنا وضعًا لا تُحمى فيه المصلحة العامة لمجرد أن الجشع الدولاني كُبح مؤسسيًا، بل يضرّ بها جشع لم يعد جشع الدولانية بل جشع القبلية. وعصر أيزنهاور هو خمسينيات القرن العشرين، قبل أن تحقق الأسواق المالية قفزات اليوم. فالمجمّع العسكري الصناعي، الذي نما كثيرًا في أثناء الحرب العالمية الثانية، تخلّى الآن عن مكانه بوصفه الفاعل الرئيسي في الجشع القبلي لـ«المجمّع المالي الحكومي». وهو تغيّر بلغ من قوته أنه يمكن أن يُسمّى، بعد الثورة الصناعية، ثورة مالية، تنقل مركز النظام الاقتصادي من الصناعة التحويلية إلى الخدمات:
خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة، وقعت ثورة حقيقية في المال في أكثر البلدان المتقدّمة. ففي عام 1970، في الولايات المتحدة، كانت النسبة بين القيمة الإجمالية للأسهم المدرجة والإنتاج الاقتصادي الأمريكي 0.66. وفي عام 2000، كانت قد نمت بسرعة، فبلغت القيمة الإجمالية للأسهم المدرجة في الولايات المتحدة 1.5 ضعف الناتج المحلي الإجمالي. 482 (وفي عام 2025، 2.1 ضعف.)
في اقتصاد السوق، صار الجشع القبلي الذي تطلبه الشركات المتعددة الجنسيات والشركات المالية الدولية، أيًّا كان الاسم الذي يُطلق عليها، يتهدّد اقتصاد السوق نفسه. فالشركات المالية خاصةً، وهي تتعامل مع أسواق بحجم العالم بأنظمة تشغيل بارعة، دخلت طريق طلب للربح والجشع خالٍ من كل إنتاجية. ولم يكفّ نفوذها في اقتصاد السوق العالمي عن الاتساع، حتى صار النظام السياسي الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين يُسمّى «رأسمالية الكازينو». وقرّر راجان وغيره من الاقتصاديين أن رجال الأعمال حين يجتمعون، يوحّدون قواهم للتآمر على المصلحة العامة وطلب مصلحتهم الخاصة. ويشخّص هؤلاء الاقتصاديون لامسؤولية الدولة: «لكن كثيرًا جدًا، وفي بلدان أكثر من اللازم، تنتهي مؤامرات رجال الأعمال هذه لإعاقة المنافسة النزيهة إلى نيل عون الدولة».483
المجمّع العسكري الصناعي البرلماني، أي جماعات المصالح الخاصة، صارت لها الآن سلطة ونفوذ لا يوصفان. فالمال، بتوحيد قواه مع الحكومة، صار «مجمّعًا ماليًا برلمانيًا، أو ماليًا حكوميًا»، يضرّ بتلك المصلحة العامة التي هي «المنافسة النزيهة». فالرأسمالية، أي نظام اقتصاد السوق، أنجع وسيلة للإنتاج والتوزيع بين المؤسسات التي صنعها الإنسان حتى الآن. وفي جذرها المنافسة. لكن المنافسة، لأنها تدير جشع رجال الأعمال الذي لا ينتهي وتكبحه، تصير عبئًا على كل رجال الأعمال القائمين.484 ولذلك تبذل جماعات المصالح، أي القبلية، كل ما في وسعها لكبح المنافسة وطلب مصلحة كل جماعة. وأكبر مشكلة في القبلية تظهر في استقطاب المجتمع. فالشعب يتضرر من تفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء. فتتقلّص الطبقة الوسطى، وينقسم الشعب إلى أغنياء يتمتعون بثراء فاحش، وفقراء. فإذا لم تحمِ الدولة المصلحة العامة، فعلى من تقع المصلحة العامة؟
فخّ مذهب «دعه يعمل»: «من يحرس الحرّاس؟»
حرّر مذهب «دعه يعمل» الاستقلال الاقتصادي للفرد من الدولانية. وبالاستناد إليه، استطاعت الرأسمالية أن تغلب أنظمة الاقتصاد الموجّه لأيديولوجيات كالفاشية أو الشيوعية. لكن مذهب «دعه يعمل» يُظهر عجزه أمام القبلية، التي تطلب المصلحة الخاصة باتحاد أوساط الأعمال والبرلمان. فبحسب المبدأ الأساسي للديمقراطية، يُفترض أن تطلب الأحزاب المكوّنة للبرلمان مصلحة الشعب، أي المصلحة العامة. لكن كثيرًا ما تُرى الأحزاب الكثيرة في العالم تقدّم استعادة السلطة، أي مصلحة الحزب، على طلب المصلحة العامة. فما تمثّله ليس مصلحة الشعب، بل جشع قبلي يطلب مصلحة الجماعة التي تنتمي إليها، أي الحزب. وهي ترفع راية مذهب «دعه يعمل» الغربي وتدّعي أن نجاحها يُترجم مصلحةً عامة. لكن إذا أطلقت الأحزاب التي تمثّل الشعب العنان لأنانيتها، أو لجشعها، لم يحرس أحد المصلحة العامة. فتلك حال بلا حارس. فيصير مذهب «دعه يعمل» فخّ النظام السياسي الاقتصادي الغربي.
المشكلات التي يواجهها النظام السياسي الاقتصادي الغربي على هذا النحو تتهدّد أسس الديمقراطية واقتصاد السوق الغربيين. وهذه الأزمة ترجع في النهاية إلى سؤال واحد، هو الذي طرحه الشاعر الروماني يوفيناليس: «من يحرس الحرّاس؟» 485 فالمقدّمة الأساسية للديمقراطية أن الشعب، أي الناخبين، يراقب ويقيّم ويحكم في آخر المطاف على ما يفعله أصحاب السلطة أو الأحزاب. لكن، كما كان حرس الإمبراطور في العصر الإمبراطوري الروماني يرفع إلى العرش القائد أو القائد العسكري الذي يدفع أكثر، إذا انتخب الشعب سياسيين يزيدون الحماية الاجتماعية ولو بالاقتراض، حتى تتنافس الأحزاب في زيادة الحماية الاجتماعية لاستعادة السلطة، وإذا فضّل الشعب، دون أن يرى الخطر، الحماية الاجتماعية التي أمام عينيه، انهارت المقدّمة الأساسية للديمقراطية. والواقع أنه، في أثناء أزمة اليورو، كان ما ينبغي لقادة البلدان الغربية وشعوبها أن يفعلوه واضحًا: أن يعرّفوا بطبيعة المشكلة، وأن يدعوا الشعب إلى العودة إلى أخلاقيات عمل أولية، وأن ينتخب الشعب مثل هؤلاء السياسيين قادةً. لكن ذلك لم يقع. ومن ثمّ تُطرح أسئلة على السياسة الحزبية، نقطة انطلاق الحكم الديمقراطي الغربي.
في الشرق، وقعت في القرنين الحادي عشر والثاني عشر محاولة لسياسة حزبية وجدال في الجشع القبلي. فقد حاول المصلح في عهد سونغ أويانغ شيو (歐陽修، 1007–1072) سلسلة من الإصلاحات، منها زيادة أجور الموظفين ليُخلصوا للخدمة العامة، وتطبيق القانون تطبيقًا فعّالًا، وإلغاء المحاباة، وإضافة مواد لازمة للإدارة العملية للحكومة إلى الامتحانات الإمبراطورية.486 وفي عام 1045، رفع مذكرة إلى الإمبراطور. وكانت حجته قائمة على مقالته «في الأحزاب» (朋黨論): «القائد يكوّن الأحزاب عن مبدأ، والمشارك يكوّن الأحزاب لكسبه الخاص»، وكان يؤكد أنه لا بد من إباحة تكوين الأحزاب. 487 أي إنه كان يقترح سياسة حزبية على الطريقة الحديثة.
والواقع أنه في القرن الحادي عشر، في عهد سونغ، اتُّبعت حول المستشار وانغ آن شي (王安石، 1021–1086) سياسات يمكن عدّها صيغة حديثة من الاشتراكية. وعلى العكس، أدار سيما قوانغ (司馬光، 1019–1086) سياسات يمكن عدّها محافظة. فكان بين القوتين تنافس ورقابة متبادلة. وفي النهاية، لم تُتبنّ فكرة أويانغ شيو، أي تكوين الأحزاب، أي السياسة الحزبية. وكان السبب الحكم بأن من يستطيعون بلوغ مستوى القائد قلة قليلة جدًا، وأنه، لما كان أكثر الناس يبقون مشاركين، فإن رجال الأحزاب أيضًا سينتهون إلى السقوط في المصلحة الخاصة. وقد دفن تشو شي (朱熹، 1130–1200)، أستاذ الكونفوشيوسية الجديدة، الحجة المؤيدة للسياسة الحزبية دفنًا حاسمًا في النهاية. فقد انتقد تشو شي بقوة تكوين الأحزاب، مؤكدًا أن الأحزاب تنتهي إلى طلب المصلحة الخاصة للجماعة بدلًا من المصلحة العامة. (وبعد ألف عام، تظهر في الدول الحديثة حالات تضع هذه الحجة من جديد على المحكّ. ففي كوريا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لا يخرج تأييد الشعب للبرلمان عن حدود 20%. ذلك أنه صار معروفًا لدى الشعب كله أن البرلمانيين يتركّزون على المصلحة الخاصة لإعادة انتخابهم أكثر من تركّزهم على المصلحة العامة في خدمة الشعب.)
على من تقع مسؤولية كبح طلب القبليين لمصلحتهم الخاصة؟ في النهاية، على الحكومة. ولهذا يصير مفهوم الشو جي (術治)، أي الحكم بفنّ السياسة، مهمًا في فن الحكم: لأنه يعسر على السوق أن يطلب تلك المصلحة العامة التي هي المنافسة النزيهة، والإدارة الحكومية لازمة. ويشير الاقتصاديون إلى أنه، في الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين، الموسوم بالثورة المالية، ينبغي أن ينتفع الجميع من المنافسة النزيهة، لكنها عسيرة الحفظ. ويشيرون إلى المفارقة: المشكلة أن «الحافز ضعيف إلى العمل المهم المتمثل في حماية تلك المصلحة العامة التي هي المنافسة النزيهة»:
الأسواق ليست حرة، ولا يمكن عمليًا أن تكون حرة جدًا، لأن الأسواق قائمة على أساس سياسي هشّ جدًا. فالجميع ينتفعون من الأسواق التنافسية، لكن عقدة المشكلة أن أحدًا لا يكسب شيئًا يُذكر من الجهد المبذول لإبقاء النظام الاقتصادي تنافسيًا واللعبة نزيهة. بل إن الرأسماليين أنفسهم لا يستطيعون أن يكسبوا من تشجيع المنافسة النزيهة. ومن سوء الحظ أن الرأسماليين لا يكفّون عن مطالبة الحكومة بحمايتهم من المنافسة، وبذلك بالتحديد يصيرون ألدّ أعداء الرأسمالية.488
صار طلب الشركات الكبرى لمصلحتها الخاصة أكبر انشغال في اقتصاد السوق في مطلع القرن الحادي والعشرين. فالتقارير لا تنقطع، يومًا بعد يوم، عن جشع رأس المال المالي والشركات المالية خاصةً، التي تتجاهل المصلحة العامة ولا تطلب بلا نهاية إلا كسبها الخاص. واقتصاد السوق الغربي لم يُعدّ شيئًا لمواجهة ذلك. ففي الغرب، بدلًا من رؤية الجشع القبلي مشكلة جوهرية، يبدو أنه لا يزال يُعتقد، فلسفةً أساسية، بحسب فكر اقتصاد السوق منذ آدم سميث، أن «جشع القبائل، حتى من غير قصد، تقوده اليد الخفية إلى خلق المصلحة العامة». ويبدو أن المشكلات الجوهرية المكشوفة اليوم لا يُعترف بها إلا بوصفها بعض الاستثناءات من هذا المبدأ الأساسي، أو مشكلات هامشية.
عدا بعض الضوابط القانونية، تدير الشركات الكبرى العابرة للحدود، ولا سيما المالية، أعمالها على نحو غير مقبول أخلاقيًا، والحكومات لا تتخذ أي إجراء. ففي أثناء الأزمة المالية عام 2008 وبعدها، رأى عامة الناس شركات مالية كبرى، تبقى بفضل دعم الحكومة، أي بفضل ضرائب الشعب، تتقاسم رواتب ومكافآت هائلة. وبينما لا تتخذ الحكومات إجراءات خاصة، ينتشر الوعي بالمسؤولية الاجتماعية للشركات الكبرى منذ بضع سنين فقط، ولا سيما حول الأمم المتحدة. أي إن حركات كـ«المسؤولية الاجتماعية للشركات»، و«خلق القيمة المشتركة»، و«الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية»، تستوقف بعض الانتباه. وتريد هذه الحركات أن تكبح الشركات من تلقاء نفسها، وإن لم يكن عليها التزام قانوني، جشعها القبلي بحسّ المسؤولية الأخلاقية. لكن هذه الحركات تفقد قوتها أمام الغاية الأساسية التي تُؤسَّس من أجلها الشركات، أي طلب الربح. فلا يسعها إلا أن تبقى في مستوى ثانوي. ولذلك يُحكم أحيانًا بأن هذه الحركات الحديثة لا تزال تقف «عند مستوى الإحسان: لنعِن الآخرين حين نستطيع».
في النهاية، مع الثورة المالية، ظهر نظام العلاقات بين الرأسماليين الماليين الأقوياء والعالم السياسي المرتبط بهم أشدَّ أعداء اقتصاد السوق الديمقراطي. وصنع القواعد التي تحكمه عسير كعسر إيجاد الوسط العادل وحفظه:
الأسواق التنافسية وسطٌ عادل دقيق بين غياب القواعد وقواعد كثيرة خانقة. والحال التي تعمل فيها الرأسمالية على أفضل وجه غير مستقرة جدًا لأن أرض هذا الوسط العادل ضيقة جدًا. وهذه الحال تنحطّ بسهولة إلى نظام للمصالح المكتسبة، بالمصالح المكتسبة، ومن أجل المصالح المكتسبة. وتاريخيًا، كانت الرأسمالية التي عرفناها رأسمالية من هذا الصنف. ومن سوء الحظ أن مثل هذه الرأسمالية لا تزال مزدهرة في أماكن كثيرة من الأرض.489
نقص الاستعداد الفلسفي لدى الغرب في مواجهة القبلية كان مشكلة منذ بداية مذهب «دعه يعمل». ذلك أن غاية مذهب «دعه يعمل» كانت ضمان الحرية الفردية في مواجهة المذهب التجاري، بتدخّله الحكومي الشامل. فمذهب «دعه يعمل» يُعرَّف بأنه «الفكر الاقتصادي الذي يضمن قدر الإمكان حرية النشاط الاقتصادي الفردي، ويقصي قدر الإمكان تدخّل الدولة». فتصير المنظومة الفلسفية القائلة إن المصلحة الخاصة تخلق المصلحة العامة بالطبيعة البشرية تمارس تأثيرها. وفي النهاية، صار مذهب «دعه يعمل» الغربي، على خلاف فكرة اللافعل (وو وي، 無爲)، يشدّد على النموذج الذي يعطي «الحرية» للاستقلال الفردي. فلا بد في النهاية من إضمار شك جوهري في مذهب «دعه يعمل» الذي كان آدم سميث يدافع عنه: شكّ في فلسفته القائلة إن «جشع القبائل، حتى من غير قصد، تقوده اليد الخفية إلى خلق المصلحة العامة».
3) الشو جي (術治): فلسفة لحماية المصلحة العامة من المصلحة الخاصة
نظرية التعارض بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة ونظرية تلاقيهما تولدان من الفرق في فلسفة «الطبيعة البشرية» بين الشرق والغرب. فالشرق يتبنّى، في نظريته في الطبيعة البشرية، موقف أن الطبيعة البشرية، لما كانت مكوّنة من أنانية قوية وإيثار ضعيف، فلا بد من إدارتها. أما نظرية الطبيعة البشرية عند آدم سميث وغيره في الغرب، على العكس، فقد انطلقت من الفلسفة القائلة إن الطبيعة البشرية خيّرة؛ فهي تتخذ إذن أساسًا مذهب «دعه يعمل» الذي يتّكل على الفعل الإنساني. ولذلك تقدّم النظرية الشرقية في الطبيعة البشرية، على مستوى إدارة الطبيعة البشرية، فلسفة سياسية مضادة للفلسفة السياسية الغربية. وهذه الفلسفة السياسية تصير عنصرًا لازمًا لقدرة القائد على الحكم. وذلك هو بالتحديد مفهوم فن الحكم الذي يُعليه الشرق. فهو الفكرة القائلة إنه، في ضوء الطبيعة البشرية، لا يمكن الدفاع عن المصلحة العامة في نظام سياسي اقتصادي إلا باستعمال فلسفة الشو جي (術治).
أنجب القانونيون في عصر الممالك المتحاربة مفكرًا، هان فيه تسي، ترك كتابات توحّد الفكر القانوني. فطوال قرون عصر الممالك المتحاربة، جرّبت سبع دول وسائل تقوية قوتها لتبقى. فبرز الحكم بالشي والحكم بالقانون والحكم بالشو، باستعمال الشي (勢)، أي قوة الموقف، والقانون (法)، والشو (術)، أي فنّ السياسة. وشرح هان فيه تسي في كتابه شرحًا شاملًا الفنّ (術) الذي يستطيع به الحاكم، على أساس سلطته (勢)، أن يُعمل القوانين والمؤسسات (法) إعمالًا ناجعًا. وكان هان فيه تسي يرى أن الملك، حين يحكم البلد ويتعامل مع موظفيه، لا بد أن يضع نصب عينيه أن المصلحة العامة والمصلحة الخاصة تتعارضان. فقد تبنّى مفهوم الشو جي، المنتشر انتشارًا واسعًا في عصر الممالك المتحاربة.
كانت فلسفته في الشو جي مأخوذة من الفكر السياسي لشن بو هاي (申不害). فقد كان يرى أن الملك، حين يضع القانون، لا بد أن توضع قوانين الدولة وتُدار على نحو يجعل الموظفين يتخلّون، في أذهانهم، عن فكرة جني كسب خاص وهم يؤدّون المصلحة العامة. وفي الوقت نفسه، يشدّد على أن القائد لا بد أن يضرب المثل.
لا بد أن تُصنع القوانين والقواعد لتجعل المرء يتخلى عن فكرة جني كسب خاص. فإذا حُفظت القوانين والقواعد جيدًا، زالت عادة جني الكسب الخاص. ففي الإدارة، المصلحة الخاصة هي العلّة التي تهدم القانون… فإذا تجاهل الملك القوانين والقواعد وكافأ الموظفين بحسب أهوائه، تخلّى الموظفون عن المصلحة العامة وانصرفوا إلى إرضاء أهواء الملك. (هان فيه تسي 45: 6)
كان شن بو هاي مستشار دولة هان (韓) في عصر الممالك المتحاربة، معروفًا بأنه أستاذ الشينغ مينغ (刑名). وعاش في القرن الرابع قبل الميلاد. وهو مفكر قانوني كان يُعلي الشو (術)، أي فنّ السياسة، وكان يرى أن الحاكم، وهو يحكم وزراءه، يستطيع أن يثبّت سلطته بالشينغ مينغ. وكان يرى أن المينغ (名)، الذي يدل على أوامر الحاكم أو على المناصب، والشينغ (刑، ويُكتب أيضًا 形)، الذي يفحص هل ينفّذها الوزراء جيدًا، هما لبّ إدارة الدولة. وهذا يتركّز على المبدأ السياسي الذي يجعل ما أُنجز فعلًا (刑، أي 形) يطابق اسم المنصب والقول (名). والمبدأ أن على الوزراء أن يؤدّوا العمل الموافق لمناصبهم، وأن يُعاقَبوا إذا اختلفت أقوالهم وأفعالهم. وبذلك وضع الحاكم معايير موضوعية لتقييم وزرائه، واستطاع أن يحفظ زمام السلطة. ولبّ الشو جي يكمن في النهاية في هذا، وهو الأهم: أن يُفحص هل يضرّ الموظفون أو الوزراء بالمصلحة العامة ويطلبون مصلحتهم الخاصة، وأن يُعالَج ذلك. وكان يؤكد أن فنّ (術) الشينغ مينغ، الذي يعامل به القائد وزراءه، هو أقصر طريق إلى بلد غني وجيش قوي. وقد أفضى فكره في الشو جي، عبر عصر الممالك المتحاربة، إلى إرساء إدارة شؤون الموظفين والبيروقراطية في الصين والشرق.
لبّ فلسفة شن بو هاي أن يُجعل البلد غنيًا قويًا بجعل الوزراء يتخلّون عن الإغراء الدائم بطلب مصلحتهم الخاصة ليطلبوا المصلحة العامة. فقد كان شن بو هاي يشدّد على اتفاق أقوال الوزراء وأفعالهم، ويسعى إلى بلوغه بإدارة مؤسسية وإدارية؛ وكان يسعى إلى إرساء نظام متوقَّع بتقييم سلوك الوزراء بحسب القانون والمؤسسات، ومكافأة الجدارة ومعاقبة الأخطاء. وتحكم السجلات التاريخية لسيما تشيان بأن علم الشينغ مينغ (刑名之學) عند شن بو هاي قائم على فكر هوانغ لاو (黃老思想).490 فقد كان يسعى إلى حكم البلد بتوحيد الفكر القانوني والفكر الطاوي.
لا ينتهي دور الشو جي لأن الدولة القومية أُسست وأُقيمت مؤسسات بيروقراطية وإدارية. فلما كانت العناصر الجوهرية للشو جي آتية من نظرية الطبيعة البشرية، فهي لا تزول من المجتمع الإنساني بالمؤسسات، بل تواصل العمل. وقد غرس الشو جي في الحضارة الشرقية غرسًا عميقًا فلسفة سياسية اقتصادية قائمة على نظرية التعارض بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة. بل تزداد أهميته في أثناء تطوّر المؤسسات الاجتماعية، لأن التمييز بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة صار أعسر. وكلما صار الاقتصاد السياسي مهمًا، وقعت على الحكومة والشعب مسؤولية إدارة جشع لا الموظفين وحدهم بل أوساط الأعمال أيضًا. ذلك أن حالات طلب المصلحة الخاصة بالروابط بين البرلمان وأوساط الأعمال تتكاثر.
في البلدان الشرقية، تبقى ثقافة الشو جي قوية. ويمكن ذكر سنغافورة مثالًا على بلد أعلى الشو جي خاصةً في إدارة الدولة. ففي مطلع حكمه، في فبراير 1960، اتخذ رئيس الوزراء لي كوان يو، قبل أي شيء، تدبير الشو جي الذي يمنع الموظفين من طلب مصلحتهم الخاصة. فأصدر «قانون منع الفساد». وزوّد «مكتب التحقيق في ممارسات الفساد»، الذي أنشأته الحكومة الاستعمارية البريطانية عام 1952 للتحقيق في الموظفين الفاسدين، بصلاحيات تحقيق وقضاء قوية. ومكتب التحقيق في ممارسات الفساد (貪汚調査局) هو الهيئة المتخصصة في التحقيق في الفساد في سنغافورة. وهو تابع مباشرة لرئيس الوزراء، ويعمل باستقلال أكبر من الشرطة أو النيابة. وهو الهيئة المحورية التي تحقق في أفعال الفساد في المجتمع كله، موظفين وشركات وأفرادًا، وتحفظ مجتمعًا نزيهًا. فصارت سنغافورة أنزه بلد في العالم. وقد أدارت الدولة بنجاح بمنع الموظفين من طلب المصلحة الخاصة مع ضمان رواتب لهم من أعلى الرواتب في العالم. وتلك حالة نجاح حُدّد فيها اتجاه الدولة بالتشديد على المفهوم الشرقي، الشو جي.
مفهوم الشو جي لا يقتصر على الشرق. فقد كان في الغرب قائد أشار، وهو يُبرز مشكلات نظرية التلاقي بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، إلى النفوذ السلبي الهائل الذي تمارسه هذه المشكلة في إدارة الدولة. فقد ألقى الرئيس أيزنهاور خطاب وداع وهو يغادر الرئاسة، في 17 يناير 1961. فحذّر فيه علنًا من أن السلوك القبلي للمجمّع العسكري الصناعي، بطلبه المصلحة الخاصة، يُحدث مشكلات كبيرة لإدارة الدولة الساعية إلى المصلحة العامة. فقد كان يشير إلى أن سلوك المجمّع العسكري الصناعي قبلية تتجاهل المصلحة العامة لتطلب المصلحة الخاصة، وإلى مشكلة العجز الذي تشعر به الحكومة إزاءه.491 فحذّر من أن اتحاد الدفاع وأوساط الأعمال قد يقوّض المؤسسات الديمقراطية وحرية الشعب.
كان يشير بذلك إلى أن الظاهرة نفسها التي ينبغي مواجهتها بالشو جي، بحسب فلسفة الحضارة الشرقية القائلة إن «المصلحة العامة والمصلحة الخاصة تتعارضان»، تقع في الغرب. فالنظام السياسي الاقتصادي الغربي، الذي يؤمن بالنظرية الفلسفية التي قدّمها آدم سميث وغيره، القائلة إن «المصلحة العامة والمصلحة الخاصة تتلاقيان»، أعزل في الأساس إزاء مسألة الشو جي. ولذلك يواصل السلوك القبلي انتشاره في الغرب. فالأزمة المالية العالمية في 2007–2008 وأزمة اليورو في 2009–2011 ليستا مجرد مشكلتين ماليتين أو اقتصاديتين. فتحتهما مشكلات جوهرية فلسفية، على مستوى الاقتصاد السياسي، تتعلق بفكر اقتصاد السوق وبالديمقراطية بوصفها نظامًا يدير اقتصاد السوق. فالغرب يواصل تكرار حكومة متضخمة، وضرائب ثقيلة، وأنظمة كثيرة، وتفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ودولة رعاية موسّعة بالاقتراض. وقد سبّبت الأزمة المالية في 2007–2008 القبليةُ: الماليون والبرلمان والسلطة التنفيذية يطلبون معًا مصالحهم الخاصة. وفي النهاية، لم تقدّم الولايات المتحدة أي حلّ لهذه الأزمة المالية وتركتها تمرّ بحلول ترقيعية. وتلك هي النتيجة التي كان قد خلص إليها، قبل الأزمة بخمس سنين، الكتاب الأكثر مبيعًا إنقاذ الرأسمالية من الرأسماليين، المنشور عام 2003: «أكبر خطر على اقتصاد السوق ليس العودة إلى الاشتراكية. فالخطر الحقيقي آتٍ من القبلية التي تريد طلب المصلحة الخاصة داخل نظام اقتصاد السوق».
تتجلّى فلسفة الشو جي أيضًا في الطريقة التي يعالج بها الشرق والغرب التواطؤ بين الشركات الكبرى والصحافة. ففي الولايات المتحدة والغرب عمومًا، يُتاح بحرية للشركات الكبرى أن تشتري وسائل الإعلام وتستعملها. أما الشرق فلا يتيح اندماج الشركات الكبرى ووسائل الإعلام. ولا بد من النظر جيدًا: أينبغي أن يُرى في ذلك، كما يدّعي الغرب، «تحكّم في الصحافة أو مسّ بالليبرالية»، أم «إدارة لطلب القبلية لمصلحتها الخاصة»؟ وإذا اختار الشرق الثانية، فذلك بالتحديد بسبب مفهوم الشو جي.
المجمّع العسكري الصناعي، لعلمه بأهمية الصحافة والرأي العام لطلب المصلحة القبلي بين الجيش والصناعة، تزداد رغبته في استعمالهما قوة وكبرًا. فالشركات الكبرى الأمريكية القوية تتسابق إلى شراء وسائل الإعلام. وقد بدأ الغرب هو الآخر يهتم بهذه المشكلة. فقد ألقى الرئيس بايدن في يناير 2025 خطاب وداع شديد الشبه بخطاب الرئيس أيزنهاور. فأشار فيه إلى الوضع الذي يجري مؤخرًا في الولايات المتحدة، حيث تتنافس الشركات الكبرى على امتلاك وسائل الإعلام، وأشار إلى أن الرابطة بين هذه الشركات الكبرى ووسائل الإعلام تمارس نفوذًا مذهل القوة، حتى إنه يتهدّد الديمقراطية.
التحليلات التي تقارن بين «إجماع واشنطن» و«إجماع بكين» في الاقتصاد السياسي يمكن أن تُرى هي الأخرى مُظهرةً هذا الوجه الآخر لحضارتي الشرق والغرب. فعلى العموم، يطرح الأول نموذج ديمقراطية ليبرالية مع تطور اقتصادي، والثاني نموذج سلطوية مع تطور اقتصادي. ويمكن أن تكون هذه المقارنات بين النماذج متمحورة حول الغرب، لأن الاتجاه الحالي قائم على الفكر الليبرالي الغربي. لكن نماذج التطور السياسي الاقتصادي في الشرق والغرب تتضمن جانبًا حضاريًا يريد التركّز على مبدأ حفظ الذات بدلًا من التحليل بالتركّز على الحرية. فنظرية التعارض ونظرية التلاقي بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة تصيران المنظورين المهمين. وفي الفكر السياسي الاقتصادي الغربي، الذي يتّبع الثانية، يصير منظور الشو جي مفهومًا لا يُعلى. لكن الشو جي، الذي يحترس من الموظفين والإداريين الذين يضرّون بالمصلحة العامة ويطلبون مصلحتهم الخاصة، يصير مسألة أهم فأهم كلما تعقّدت البنى الاجتماعية.
السلوك القبلي ينطبق كما هو على الأحزاب السياسية، لبّ الديمقراطية، فيصير مشكلة. ففي الديمقراطية، المهم أن تُحترم المقدّمة القائلة إن الشعب ينتخب أناسًا قادرين قادةً، وإن هؤلاء القادة يعملون من أجل المصلحة العامة، أي من أجل الشعب. لكن في الأنظمة السياسية الغربية، تتلاشى شيئًا فشيئًا مقدّمة أولوية المصلحة العامة. ولحلّ المشكلة، يحاول الغرب تحسين المؤسسات السياسية، بزيادة الشفافية مثلًا، وإيجاد وسائل لحمل المواطنين على المشاركة أكثر في السياسة. ذلك أنه يظن أن الديمقراطية لا تكفّ عن التطور، فيمكن إذن تصحيح المشكلة.
لكن، بالنظر إلى المجمّع العسكري الصناعي، والأزمة المالية، ونزوع البرلمانات إلى طلب المصلحة الخاصة بدلًا من المصلحة العامة، فالمشكلة ليست مما يُحلّ بمجرد تحسين النظام. بل لا بد أن تُرى آتية، قبل كل نظام، من مشكلة الطبيعة البشرية التي لا مفرّ منها. فالإنسان، أيًّا كان ما يفعله، يتّبع في النهاية الطبيعة البشرية، فالسياسيون أيضًا تجتذبهم في النهاية حفظ الذات (في البرلمانية، إعادة الانتخاب) أكثر من المصلحة العامة. وفي غياب مفهوم الشو جي، يصطدم الاقتصاد السياسي والديمقراطية في الغرب بمشكلات جوهرية من غير أن يدري. وينتهي ذلك إلى العجز عن ضبط التفاقم المتواصل للفجوة بين الأغنياء والفقراء. فالغرب لا يشعر بمشكلة كبيرة إزاء القبلية، أي إزاء نزوع كل جماعة، الماليين والبرلمان بل السلطة التنفيذية، إلى توسيع مصالحها الخاصة.
لأكثر البلدان الغربية دين عام كبير جدًا قياسًا بالناتج المحلي الإجمالي، حتى إن اقتصادها لا يطيق حمله. فإذا استمرت الأمور هكذا، كان التأخر والتراجع بيّنين، ومع ذلك لا يُظهر في الغرب لا السياسيون ولا الناخبون العزم أو الحيوية لعلاج ذلك. وهذا يُبرز لبّ المشكلات التي تحملها البلدان الغربية على مستوى الاقتصاد السياسي: إنه بالتحديد فخّ البلدان المتقدّمة الذي يُظهره الغرب.492 وهو مرتبط مباشرة بـ«غياب» مفهوم الشو جي الذي طوّرته النظرية الشرقية في الطبيعة البشرية.
الشو جي وفكرة اللافعل مقابل مذهب «دعه يعمل»
يبدو أن الشرق، باتّباعه النظام السياسي الغربي المتمحور حول القانون، قد نسي مفهوم «الشو جي». لكن أهميته، وإن لم يُلتفت إلى الكلمة مباشرة ولم يُستشهد بها، تبقى حيّة كما هي في الثقافة الشرقية. ففلسفة الشو جي، القائلة إنه لا بد من حماية المصلحة العامة في مواجهة المصلحة الخاصة، متجذّرة تجذّرًا عميقًا في الثقافة الشرقية بالحكايات والأبيات. فحِكم وحكايات كـ«الإعراض عن الخاص والإقبال على العام» (背私向公)، و«قهر النفس لخدمة العام» (克己奉公)، و«العام أولًا والخاص بعده» (先公後私)، و«الهمّ أولًا والفرح بعده» (先憂後樂)، و«التذرّع بالعام لطلب الخاص» (憑公營私)، لا تزال تُستعمل وتُحترم.493
يتجلّى مفهوم الشو جي حمايةً للمصلحة العامة. ففي مواجهة النظام الغربي الذي يدافع عن التلاقي بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، يتخذ الشرق نقطة انطلاق لنظامه السياسي الاقتصادي فلسفة تعارضهما. ومفهوم الشو جي قائم على الفلسفة القائلة إن الإنسان تحكمه طبيعة بشرية توجد على السواء عند الأفراد والجماعات ورؤساء الدول. أي إن كل البشر يولدون بطبيعة بشرية تميل إلى طلب المصلحة الخاصة بدلًا من المصلحة العامة. ولذلك تحتاج هذه الطبيعة البشرية لا إلى إطلاق العنان لها، بل إلى إدارتها. وفكرة اللافعل تمثّل فلسفة إدارة المصلحة العامة التي يطلبها الشو جي.
بحسب فكرة اللافعل، تُعدّ كل الأحزاب السياسية وكل جماعات المصالح الخاصة في هذا العالم مائلة في النهاية إلى طلب أنانية قبلية. فهي تنتهي إلى إظهار نزوع إلى استهداف التوسيع الأقصى لجشعها الخاص مع الالتفاف على ما يقيّده القانون. وفي النهاية، كما أشار الأستاذ أولسون ببصيرة لافتة، لكل البشر غريزةً طبيعةُ «قاطع الطريق المستقر»، الذي يطلب أكبر انتزاع ممكن، أي جباية ضرائب ثقيلة. وهذا ينطبق لا على الملك الدولاني وحده، بل على جشع الأحزاب والشركات الكبرى الذي تعبّر عنه القبلية أيضًا. ولا تُحفظ المصلحة العامة، مع حماية الاستقلال الاقتصادي للفرد، إلا بأداة تكبح هذه الغريزة.
لماذا وُلدت ظواهر مختلفة إلى هذا الحدّ في النظامين السياسيين الاقتصاديين في الشرق والغرب؟ صحيح أن آدم سميث أبدى مبكرًا قلقه من الجشع القبلي، لكن فكر اقتصاد السوق الغربي، كما يُرى عند آدم سميث، كان جوهره منذ البدء الدفاع عن مذهب «دعه يعمل» للفرد في مواجهة جشع الدولة؛ فكان يعسر عليه أن يحترس بما يكفي من الجشع القبلي. ولذلك اكتفى بالإشارة إلى أن جشع القبلية، أي جماعات الأفراد كجماعات المصالح الخاصة، سيطرح مشكلة، دون أن يثير أي مسألة فلسفية. أي إنه، واقفًا عند الثنائية المتناقضة القائلة إن الجشع الدولاني سيئ والأنانية الفردانية حسنة، لم يكن يحترس من الجشع القبلي إلا بوصفه انحرافًا جزئيًا عن أنانية فردانية حسنة في المبدأ. لكن اليوم، وقد كبر حجم الاقتصاد وانتشرت العولمة، وُلدت شركات وشركات مالية عابرة للحدود يفوق نفوذها بلا مقارنة نفوذ أكثر البلدان. وصار الخطر الذي يشكّله جشع هذه الشركات العابرة للحدود على اقتصاد السوق أشدّ من جشع الدول في الماضي.
في الغرب، لما كانت الأنانية الفردية تُرى منذ آدم سميث سليمة إيجابية، عولج جشع الشركات المتعددة الجنسيات، امتداد الأنانية الفردية، لا بوصفه مشكلة جوهرية، بل بعلاج عَرَضي، بالاكتفاء بتقديم علاجات موضعية كلما نشأت المشكلات. ذلك هو قانون مكافحة الاحتكار وما تطوّر حول الولايات المتحدة. وثمة هنا مسألة فلسفية. ففي مطلع القرن الحادي والعشرين، صارت أضرار الجشع القبلي بيّنة على مستويين حتى لم يعد ممكنًا تجاهلها: أحدهما جشع الشركات العابرة للحدود في الاقتصاد، والآخر جشع الأحزاب في الاحتفاظ بالسلطة في السياسة. فالأول يتهدّد اقتصاد السوق، والثاني الديمقراطية. وهذان الجشعان مرتبطان: إنهما وجها عملة واحدة.
في الغرب، تكبر مشكلة اليد الخفية عند آدم سميث شيئًا فشيئًا في صورة الاستقطاب. فقد ظهرت مشكلة في النظرية القائلة إن الأنانية الإنسانية تخلق المصلحة العامة باليد الخفية. فقد كان آدم سميث يريد أن يعرّف اليد الخفية، أي خلق المصلحة العامة من الأنانية، بأنها «قانون من قوانين الطبيعة»: النظرية القائلة إن المصلحة الخاصة والمصلحة العامة تتلاقيان من تلقاء نفسيهما، حتى بلا حارس. لكن إذا كانت الأنانية، على العكس، مرتبطة لا بالمصلحة العامة بل بتفاقم الاستقطاب، نشأت مشكلة في النظام السياسي الاقتصادي الغربي كله. فإذا كانت المصلحة الخاصة والمصلحة العامة تتعارضان، كما تؤكد فكرة اللافعل الشرقية، فجعل المصلحة الخاصة تفضي إلى المصلحة العامة مسؤولية القائد. لكن في النظام السياسي الاقتصادي الغربي، القائد عاجز أمام قوة القبلية ولا يستطيع أن يراقب. فلا يبقى بالتحديد جواب عن سؤال من يحرس الحرّاس.
كانت طريقة الشرق في مواجهة الدولانية مختلفة عن الديمقراطية الغربية. فقد كانت تستند إلى المينبن. فالشرق، على أساس فكرة اللافعل، كان يواجه الدولانية بالقانون والأخلاق. لكن الملك لم يكن عمليًا خاضعًا للقانون. ولم يتغير ذلك حتى في القرن الثامن عشر، حين دخلت فكرة اللافعل الغرب في صورة مذهب «دعه يعمل»: فقد كان حكم القانون ناقصًا. والفكر الشرقي، الذي كان يستند إلى أخلاق المينبن، كان له حتى القرن السابع عشر نظام سياسي اقتصادي أنسب من المذهب التجاري الغربي. لكن كانت فيه مشكلة جوهرية: فسؤال «من يحرس الحرّاس؟» كان يبقى مطروحًا إزاء القائد، لأن الضوابط على القائد لم تكن تستند إلا إلى الأخلاق. وفي هذه النقطة، جلب مفهوم القانون الغربي نتائج أوثق من الأخلاق الشرقية في التداول على السلطة.
الشرق، بتمسكه بنظام بلا مؤسسة لتبديل القادة، يحتفظ فيه قائد وراثي بالسلطة حتى موته بحسب قدراته، صار يعتمد على القائد اعتمادًا مفرطًا. ودام هذا النظام آلاف السنين. ولذلك كان مفهوم العلماء في الضوابط والتوازنات، القائم على الأخلاق، يصطدم بحدوده في طغيان قائد وراثي عاجز خارج على القانون. ومع دخول القرن العشرين، استورد الشرق من الغرب مؤسسة تبديل القادة بالقانون، ويحاول أن يشدّ المنظومة الفلسفية للديمقراطية إلى المينبن. ويبدو أن أكثر الشرق ينجح في التبديل السلمي للقادة. وعلى الصعيد الأخلاقي، كان ذلك ممهَّدًا جزئيًا، إذ كان منشيوس قد طرح منذ القرن الرابع قبل الميلاد مفهوم تبدّل التفويض (易姓革命). فقد كان يؤكد أن الحاكم إذا فقد الفضيلة، لم يعد جديرًا بأن يكون حاكمًا ولا بد من تبديله. وكان يسوّغ تبدّل التفويض هذا بتأكيده أن الشعب أنفس ما في الدولة، والدولة بعده، والملك أخفّ ما فيها. وكان منشيوس يشدّد على المينبن، القائل إن الشعب هو الأساس، وعلى فكرة خدمة الشعب، القائلة إن الدولة لا تزدهر إلا بخدمة الشعب.
حلّ الغرب بالقانون مؤسسة التبديل السلمي للقادة. فقد أرسى الغرب تبديل القادة بالمؤسسات الديمقراطية، ويخوض تجربة الإدارة بالضوابط والتوازنات بين السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية. لكنه يصطدم قانونيًا بمشكلة أخرى، ليست القائد. فليس القائد، بل القبلية هي التي تُحدث ظاهرة هدم نظام الضوابط والتوازنات بين السلطات المفصولة هذا، لأن أعمال الشركات الكبرى تتواطأ مع السلطة التشريعية. فنمط الإطلاق في مذهب «دعه يعمل» حلّ مشكلة الدولانية، لكن المشكلات تنشأ في القبلية، وهو لا يُظهر أي علاج.
فكرة اللافعل تأمّل فلسفي أوّلي في السلوك الإنساني، يتجاوز سلوك حكم القانون. فهي من مرتبة مختلفة عن فكرة «دعه يعمل» الغربية. وفكرة اللافعل هي الفكرة الأساسية في الطاوية. ففي الاقتصاد، تميّز فكرة اللافعل بين السلوك الاقتصادي للطبيعة والسلوك الاقتصادي للإنسان. فالسلوك الاقتصادي للطبيعة يتركّز على التوازن: ذلك مبدأ المنظومة البيئية. أما السلوك الاقتصادي للإنسان فيعمّق الفروق ويجعل الفقراء أفقر والأغنياء أغنى. فهي تشير إلى أن سلوك الطبيعة وسلوك الإنسان يختلفان، لأن الجشع الإنساني، الذي لا وجود له في الطبيعة، يعمل.
الطبيعة تنقص من الزائد وتكمّل الناقص. والإنسان يزيد الزائد وينقص الناقص. (طاو تي تشينغ 77)
هنا يُظهر الشرق والغرب فرقًا جوهريًا في الاقتصاد السياسي. فالسلوك الاقتصادي للطبيعة، كما أظهر ماندفيل، يشمل عالم النحل وعالم الحيوان كله. لكن النغمة الغالبة في الفلسفة الرائجة في غرب القرن الثامن عشر كانت أن على الإنسان أن يتّبع سلوك النحل. فكانت نغمتها الغالبة الثناء على الأنانية: أي تطبيق السلوك الاقتصادي للطبيعة كما هو على السلوك السياسي الاقتصادي الإنساني. وهنا صارت «اليد الخفية» الغربية تؤدي دورها: الفكرة القائلة إن الإنسان، كالنحل، إذا اتّبع الأنانية الفردية، خُلقت المصلحة العامة من تلقاء نفسها باليد الخفية.
تقوده… يد خفية إلى بلوغ غاية لم تكن قط في نيّته… فهو، وهو لا يطلب إلا مصلحته الشخصية، كثيرًا ما يعمل لمصلحة المجتمع. (آدم سميث، ثروة الأمم، الكتاب الرابع، الفصل الثاني)
لكن، من منظور الحضارة الشرقية، الطبيعة البشرية لا تتّبع السلوك الاقتصادي للطبيعة. فالطبيعة البشرية تصوغ السلوك الاقتصادي الإنساني. ففي عالم الحيوان تعمل «أنانية بلا جشع»، ومن هنا يولد مبدأ المنظومة البيئية. أما في العالم الإنساني فتعمل «أنانية ذات جشع»، لا يملكها أي حيوان آخر. والجشع يصير «اليد القابضة» في الاقتصاد الإنساني. فحيثما وُجد الإنسان في الاقتصاد، وُلدت أيدٍ قابضة حتمًا. وقد تركّز الغرب على الدولانية وحدها، لكن هذه اليد القابضة تصير يدًا تضرّ بالمصلحة العامة في ميادين الدولانية والقبلية والفردانية. فحين أرسى الغرب فكرة «دعه يعمل»، لم يتركّز إلا على الدولانية، لمعارضة الدولانية القصوى للحكومة التي كانت المذهب التجاري. لكن اليد القابضة، لما كانت كامنة في الطبيعة البشرية، لا تقتصر على الدولانية، أي على قائد الحكومة. بل تنطبق على القبلية والفردانية أيضًا.
هنا تختلف فكرة اللافعل الشرقية فلسفيًا عن مذهب «دعه يعمل» الغربي. فمن ألباب فكرة اللافعل أن المصلحة العامة، التي تنفع الجميع، لا بد أن تُحمى حماية خاصة، لأنها يمكن أن تتضرر بسهولة بالمصلحة الخاصة، أي بالجشع الفردي. فبالنظر إلى الطبيعة البشرية، تتطور المصلحة الفردية بسهولة نحو الجشع، ولا تتطور نحو الإيثار إلا استثناءً. ولذلك، من أجل توازن المجتمع، لا بد من السعي، بـ«الأخلاق»، إلى توجيه المصلحة الفردية لا نحو الجشع بل نحو الإيثار. ومن هنا تولد الثقافة الأخلاقية التي في قلب الحضارة الشرقية. ولهذا تُعلي الحضارة الشرقية مفهوم «الشو جي، الذي يحترس من طلب المصلحة الخاصة بذريعة المصلحة العامة».
4) لبّ الشو جي: كيف يُميَّز بين طلب الربح والجشع؟
في النشاط الاقتصادي الإنساني، لا بد من التمييز بين طلب الربح والجشع. فلبّ فلسفة الشو جي، التي تريد حماية المصلحة العامة من المصلحة الخاصة، يكمن بالتحديد في التمييز بين طلب الربح والجشع. لكن القانون لا يستطيع أن يميّز بينهما. فللغرب نزوع قوي إلى الفصل بين المنظور الاقتصادي والمنظور الأخلاقي. أما في الشرق، فيحفظ المنظوران علاقة عميقة بالتوفيقية. فلبّ الفلسفتين الطاوية والكونفوشيوسية طابع «سياسي اقتصادي» يُعلي الأخلاق في الاقتصاد. فالقائد، حكيم الطاوية أو القائد (君子) في الكونفوشيوسية، لا يمكن أن يكون قائدًا ما لم يُقِم نفسه أخلاقيًا. «القائد يطلب الفضيلة؛ والمشارك يطلب الكسب». «القائد الذي يفهم الطاو (道) حرّ من الجشع». وهذا الفكر الأخلاقي الكونفوشيوسي والطاوي يصير أولى فضائل القائد الشرقي. أما الغرب فيريد إدارة الاقتصاد بالقانون، مع إبقاء الأخلاق بعيدًا. لكن من منظور القانون، ثمة مشكلة: إنه ميدان لا يستطيع القانون فيه أن يحدّد إلى أين يمتد طلب الربح ومن أين يبدأ الجشع.
طلب الربح لبّ الاقتصاد. فكما أعلن شيون تسي وآدم سميث، الأنانية جذر النشاط الاقتصادي الإنساني. وقد عبّر لوك عن ذلك هكذا: «حيث لا رغبة، لا جدّ». ولذلك لا بد من تسويغ الأنانية، أي طلب الربح. لكن لا بد من منع الأنانية من الإضرار بالمصلحة العامة ومن التطور إلى جشع. والمشكلة هنا. فالجشع لا بد أن يُدار. وفي تسويغ طلب الربح، يؤدي مذهب «دعه يعمل» الغربي دوره جيدًا. لكن مذهب «دعه يعمل»، لغياب الحارس، يسقط فريسة للجشع.
النزوع إلى عدم التمييز بين طلب الربح والجشع يظهر كثيرًا في الغرب، الذي يقدّم القانون على الأخلاق. ففي الغرب ظهرت عبارة «الجشع شيء حسن». وقد استعملها المستثمر في وول ستريت بوسكي في خطاب تخرّج في جامعة كاليفورنيا في بيركلي عام 1986: «الجشع حسن جدًا… الجشع صحي. يمكن أن تكون جشعًا وأن تشعر مع ذلك بالرضا عن نفسك»، كما شرح. وصارت العبارة مشهورة على لسان شخصية غوردون غيكو في فيلم وول ستريت عام 1987. ففي الغرب، يُؤكَّد أن الجشع يسهم لا في النجاح الفردي وحده، بل في التطور الاقتصادي أيضًا. ومنذ ثمانينيات القرن العشرين، فرضت هذه العبارة نفسها الصيغة الممثّلة لروح الرأسمالية المالية الأمريكية.
في الغرب، صارت عبارة «الجشع شيء حسن» صيغة رمزية يُستشهد بها في تمجيد الجشع كما في نقده. فهي تحمل منطق رأسمالية السوق الحرة القائل إن الجشع يستطيع أن يحفّز الحيوية الاقتصادية والابتكار. والتأكيد أن الجشع الذي يطلب الكسب الفردي يستطيع أن يزيد نمو الشركات وتنافسها وكفاءتها وأن ينمّي ثروة المجتمع كله يلتقي بنظرية «اليد الخفية» عند آدم سميث، القائلة إن المصلحة الخاصة تخلق المصلحة العامة، وبمنطق ميلتون فريدمان القائل إن «المسؤولية الاجتماعية للشركة زيادة أرباحها». والجشع في أصله رغبة مفرطة، يمكن أن تضرّ بالآخرين وبالمجتمع. لكن الرغبة الإنسانية، في الوقت نفسه، محرّك التطور والإنجاز، ومن هنا يولد هذا الالتباس. ويصير مشكلة أكثر محورية في الغرب، الذي لا يستند إلا إلى القانون بدلًا من الأخلاق.
عبارة «الجشع شيء حسن» تُبرز الجانب الإيجابي للرأسمالية، لكنها تُنتقد لأن الجشع المفرط يمكن أن يجرّ اللامساواة وتدمير البيئة وعدم الاستقرار الاجتماعي. لكن لما كان الجشع وطلب الربح ينطلقان كلاهما من رغبة «إرادة المزيد»، فالحدّ بينهما مبهم. فالفعل الواحد قد يبدو جشعًا أو طلبًا مشروعًا للربح بحسب السياق. فمثلًا، تعظيم ربح الشركة نشاط عادي من المنظور الاقتصادي، لكنه، إذا تجاهل المسؤولية الاجتماعية، يُنتقد بوصفه جشعًا. فالتمييز بين الجشع وطلب الربح ليس مطلقًا، ويتفاوت بحسب المعايير الاجتماعية والقيم. أي إنه ينتمي إلى الأخلاق.
طلب الربح، جوهر نشاط الشركات، معترف به سلوكًا اقتصاديًا مشروعًا. فالغاية الأساسية للشركة تعظيم الربح لمساهميها وأصحاب المصلحة فيها. لكن حين يصير جشعًا، لا بد من منعه. والجشع مفهوم أخلاقي، بلا تعريف قانوني واضح. ولذلك يعسر معاقبة أحد أو مجازاته أمام القضاء لمجرد أنه «جشع». فالقانون ينظّم أساسًا الأفعال غير المشروعة (الاتفاق على الأسعار، وإساءة استعمال الاحتكار، والاحتيال، والتجارة غير النزيهة، وما إلى ذلك)، لا الدافع الذي هو «الجشع» مباشرة. فقانونيًا، لا يمكن تعريف «الجشع» على حدة، ولا يكون الجزاء ممكنًا إلا حين تقع نتيجة غير مشروعة. لكن، على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي، حين تُظهر شركة «جشعًا» يتجاوز مجرد طلب الربح، تكبر الانتقادات والمطالبات بالتنظيم. فعلى الصعيد الأخلاقي، يمكن التمييز بين طلب الربح والجشع. فأن تتضرر المصلحة العامة بالتعبير عن رغبة لا تنتهي في التملّك والهيمنة هو النموذج نفسه للجشع. ولذلك يُعاقَب الجشع بالقانون بعد وقوعه، حين تقع نتيجة غير مشروعة. وقبل ذلك، يتّكل المجتمع الإنساني على «الأخلاق».
في الحضارة الغربية، التي عمادها حكم القانون، يُتخذ القانون أهمّ نقطة مرجعية للسلوك الإنساني. وفي كوريا أيضًا، التي تأثرت كثيرًا بالغرب، صار الاحتجاج بـ«حكم القانون» ضربًا من الموضة. لكن الأخلاق لا تقلّ أهمية عن حكم القانون. ولا بد من فهم لماذا تُعلي الحضارة الشرقية الأخلاق فوق القانون. ذلك أن نظرية التلاقي بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة في الغرب ترى أن كل شيء يمكن حلّه بالقانون، في حين ترى نظرية التعارض بينهما في الشرق أن النظام الاجتماعي لا يُحفظ إلا بالتشديد على الأخلاق. فالغرب يرى أن الإيثار، في تجلّي أنانية الطبيعة البشرية وإيثارها، ينتهي إلى أن «يغلب من تلقاء نفسه»؛ أما الشرق فيرى أن الإيثار الضعيف لا يستطيع أن يجد «توازنه» مع الأنانية القوية إلا بإدارة هذه الأنانية بالأخلاق والقانون.
هذان التقليدان في القانون والأخلاق في الشرق والغرب ليسا مطلقين. أي لا يمكن أن يُعطيا الإطلاق القائل إن تقليدي صواب وتقليدك خطأ. والأوجه أن يُريا انعكاسًا للطابع الجيوسياسي لكل منطقة. ففي شرق آسيا، ظهر المثال الطاوي والكونفوشيوسي القائل إن القائد لا بد أن يكون رجل «فضيلة (德)» و«مشروعية أخلاقية» وعيًا أخلاقيًا. وكان يُظن أن الثروة مرتبطة بالرغبة الخاصة وتتعارض مع القيادة العامة. وكان ثمة شعور بأن «الأغنياء، إذا شاركوا في السياسة، طلبوا مصلحتهم الخاصة». ومن فضائل القائد، كان الملوك يُعلون الزهد والنزاهة، والثروة المفرطة كانت تثير الريبة بدلًا من ذلك. ويقرّر سيما تشيان في السجلات التاريخية العلاقة بين الثروة والطبيعة البشرية (السجلات التاريخية 129: 29): «على العموم، إذا كانت ثروة غيرك عشرة أضعاف ثروتك، ذممته؛ وإذا كانت مئة ضعف، خشيته؛ وإذا كانت ألف ضعف، عملت عمله؛ وإذا كانت عشرة آلاف ضعف، صرت عبده. تلك سنّة الأشياء كلها». وفي الغرب أيضًا، تتردد كثيرًا عبارة: «وراء كل ثروة كبيرة جريمة».494
في الغرب، بفعل التقليد الجيوسياسي لثقافة الغزو، كثيرًا ما احتكر النبلاء والأغنياء السلطة السياسية منذ العصر اليوناني الروماني. فكانت الثروة أساس السلطة نفسه. وبعد العصور الوسطى أيضًا، قُبل طبيعيًا أن تمارس الطبقات الغنية، من أمراء إقطاعيين ورأسماليين تجاريين ومصرفيين، نفوذًا سياسيًا. وحتى في عصر الديمقراطية الحديثة، ومع تطور الرأسمالية، صار الواقع القائل إن «الثروة والسلطة لا تنفصلان» مؤسسيًا. ففي الغرب، يعتمد القادة السياسيون اعتمادًا كبيرًا على كبار أصحاب الثروات وعلى دعم الشركات. وبروح التعاون المتبادل، يسند القادة مصالحهم بالقانون. وفي الفلسفة السياسية الاقتصادية، تصير نظرية أثر التساقط تحمي الرابطة بين الثروة والسلطة.
أخلاق الشرق وقانون الغرب هما عماد نظاميهما السياسيين الاقتصاديين. لكن الشرق، وهو يقدّم الأخلاق، بنى منظومة تستعمل الأخلاق والقانون معًا على نحو ملائم. فقد أكّد شيون تسي منذ ما قبل الميلاد أن الطبيعة البشرية لا بد أن تُدار بـ«الأخلاق والقانون» ليُحفظ النظام الاجتماعي. وهذه التوفيقية الشرقية تتجلّى في الحضارة الشرقية في «كونفوشيوسي في الظاهر، قانوني في الباطن» (外儒內法)، الذي يقدّم الأخلاق ويكمّلها بالقانون، أو في فكر هوانغ لاو (黃老思想)، الذي يقدّم اللافعل ويكمّله بالقانون. أما الغرب، على العكس، فبتأثير الدين المنزل والميتافيزيقا والأيديولوجيا وغيرها، يتّكل على القانون أكثر من اللازم ولا يكاد يهتم بالأخلاق، ولا سيما على مستوى الاقتصاد السياسي. وللمجتمع الإنساني مشكلات كثيرة يعسر حلّها بحكم القانون. فلا بد أن تتدخل الأخلاق.
كان كونفوشيوس ويسوع كلاهما يقدّمان الحلّ بالأخلاق على اللجوء إلى القانون. فكلاهما، يمكن القول، كان يرى القانون الملاذ الأخير، ويرى أن المجتمع الإنساني لا بد أن يحلّ مشكلاته أولًا بالاتفاق الأخلاقي والممارسة الأخلاقية. ففكرة «الأخلاق قبل القانون» راجعة إلى أن المجتمع إذا حُكم بالقانون وحده، لم يبقَ إلا الإكراه والعقاب، وزالت الأخلاقية التلقائية لدى البشر. وذلك يجرّ المجتمع كله إلى بنية تجعل المشكلات أعسر.
في الاقتصاد السياسي، يضمن القانون طلب الربح، وتكبح الأخلاق الجشع. فنظرية اليد الخفية عند آدم سميث تصير تؤدي دور تحرير النشاط الاقتصادي الإنساني من الأخلاق. فيبقى الجشع كما هو. ونظرية اليد الخفية تنتهي إلى جرّ الاستقطاب باتحاد أوساط الأعمال والبرلمان، لأن أوساط الأعمال والقادة في القارب نفسه. أما بحسب نظرية اليد القابضة الشرقية، فأول واجبات القائد المسؤولية الأخلاقية عن منع الاستقطاب. أي إن عليه أن يتركّز على حماية الطبقة الوسطى بدلًا من الاستقطاب. وفي تاريخ الشرق أيضًا، حين كان الملك يشارك في الاستقطاب ويتنعّم بالثروة، كانت السلالة تسقط وتظهر سلالة جديدة تحلّ محلّها. وكانت السلالة الجديدة تبدأ بالتركّز على إزالة الاستقطاب، بتدابير لخفض الضرائب خفضًا كبيرًا.
إدارة الأنانية الإنسانية: بين المنظومتين الفلسفيتين في الشرق والغرب، اليد القابضة الشرقية واليد الخفية الغربية، فإن التي تخلق الطبقة الوسطى وتحميها هي التي تبرهن على صلاحها. فمهما كبر الاقتصاد الوطني، فالبلد الذي لا تكفّ فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء عن الاتساع لا يستطيع أن يعمل كما ينبغي. فلا تستطيع الدولة أن تُظهر كامل كفاءتها إلا إذا كانت الطبقة الوسطى متينة. لكن الاقتصاد السياسي الغربي معتاد على إغناء الأغنياء. فاليد الخفية، القائمة على الفردانية، تصنع الأغنياء، والمنطق أن النشاط الاقتصادي الذي يخلقه هؤلاء الأغنياء يولّد الطبقة الوسطى بأثر التساقط وغيره. فهل الأمر كذلك حقًا؟
القيم الغربية قائمة فلسفيًا على الفرد. فعند الغربيين، للدين والحقيقة الميتافيزيقية والقانون وغيرها الأولوية على العلاقات بالآخرين. لكن، إذا كانت القيم الكامنة في هذه الأدوات مهمة، فلا بد من الاحتراس من أن الرغبة في استعمال هذه الأدوات للسيطرة على الآخرين وتعظيم الذات قد تعمل أيضًا. فإذا حُلّلت بمنطق الاقتصاد السياسي، وُجد أن قوانين كثيرة تسنّها البرلمانات الغربية، وهي تقدّم مزايا كثيرة، تنتهي أيضًا إلى تنمية ثروة القبلية وتعميق الفجوة بين الأغنياء والفقراء. فيزداد الأغنياء غنى، وتتقلّص الطبقة الوسطى وتضعف.
يمكن القول إن الاقتصاد السياسي الغربي، على الصعيد الفلسفي، أعزل فكريًا أمام الأنانية الفردانية، لأن اتجاه اقتصاد السوق محدّد في اتجاه إطلاق العنان للأنانية الفردية. والسبب، كما رأينا مرارًا، أنه، بحسب فلسفة اقتصاد السوق عند آدم سميث، يُطلق العنان للأنانية الفردية بلا أي وصفة أخلاقية لها. صحيح أن المسيحية تطعن في الطبيعة البشرية بالوعي بالخطيئة الأصلية، وأن الأناجيل تحذّر بوضوح من الثروة المادية وتطعن فيها على الصعيد الأخلاقي. لكن يبدو أن أكثر المفكرين السياسيين الاقتصاديين الغربيين المحدثين رأوا أن الأخلاق لا صلة لها بالفكر السياسي الاقتصادي أو بالأنانية الفردانية. ذلك أنهم، كآدم سميث، ينطلقون من طبيعة بشرية تُعدّ خيّرة.
أما الكونفوشيوسية والطاوية الشرقيتان، على العكس، فلبّهما اليقظة إزاء الطبيعة البشرية والأنانية، وإدارتهما، على المستوى الأخلاقي. فالموقف السياسي الاقتصادي الغربي، الذي يطلق العنان للأنانية أو يحفّزها، والموقف السياسي الاقتصادي الشرقي، الذي يحترس منها أو يديرها، يختلفان اختلافًا واضحًا. فأقوى ما في الطبيعة البشرية هو الأنانية. ولا بد للقائد أن يدرك جوهر هذه الأنانية. «من تحرّر من الرغبة الأنانية رأى منبع الطاو. ومن كان في الرغبة الأنانية لم يرَ إلا تجلّيات الطاو» (طاو تي تشينغ 1). ويقرّر شيون تسي، بيقظته إزاء الطبيعة البشرية، للقادة والشعب نقطة انطلاق حفظ النظام الاجتماعي: «الطبيعة البشرية تشتهي الكسب واللذة؛ فإذا اتُّبعت، تصادم الناس وزال التنازل. وإذا لم يُتّبع إلا الطبيعة البشرية، وقع البشر بسهولة في الحسد والكراهية، وزال الصدق والثقة» (شيون تسي 23: 1). ويقرّر شيون تسي خاصةً أن إطلاق العنان للأنانية يُشيع الفوضى في المجتمع: «إذا تُركت الطبيعة البشرية لنفسها، ولم يعش كل واحد إلا بحسب عواطفه، انصرف الناس إلى التقاتل والنهب، وزال النظام الاجتماعي، وسقط العالم في الفوضى» (شيون تسي 23: 1).
في الغرب، لما كانت الأنانية الفردانية لا تنظّمها الأخلاق، يسري المنطق القائل إن «كل ما لا يمنعه القانون مباح مشروعًا». ونتيجة ذلك أن الأنانية الفردانية تعمل بنشاط أكبر في اقتصاد السوق الغربي. ويمكن أن يُرى الفكر الكونفوشيوسي كله عرضًا للأخلاق التي يحتاج إليها الإنسان للحياة الاجتماعية، ولتهذيب النفس اللازم لتمثّلها؛ والطاوية أيضًا تشدّد بلا انقطاع على أهمية الأخلاق والفضيلة. ولذلك تفترض حضارتا الشرق والغرب وصفتين مختلفتين جدًا للطبيعة البشرية. وفي الاقتصاد السياسي خاصةً، يستند الفكر الغربي إلى القانون ويقصي الأخلاق في الأساس، في حين تشكّل الأخلاق، لا القانون، اللبّ في الفكر الشرقي القائم على الطاوية والكونفوشيوسية. وتشرح الحوارات بالتحديد أن الأخلاق لا بد أن تُحفظ قبل القانون: «احكم الشعب بالقوانين وقوّمه بالعقوبات، يتملّص منها ولا يستحي؛ واحكمه بالفضيلة وقوّمه بالآداب، يكن له حسّ الحياء ويستقم» (الحوارات 2: 3).
في الغرب، لا يزال المرء اليوم يتركّز على القانون حين يتناول الاقتصاد السياسي. والأخلاق مقصاة في أكثر الحالات. أما في الشرق، على العكس، فلأخلاق كالجدّ والادّخار وعدم الطمع مكانها في قلب الاقتصاد السياسي. وأخلاقيات العمل في الاقتصاد السياسي الشرقي آتية من اليقظة إزاء الأنانية. فلا بد للإنسان في الحياة الاجتماعية أن يطلب الجدّ والادّخار بالتربية وتهذيب النفس، وأن يتمثّل، في تجلّي الأنانية، الرحمة والتواضع بدلًا من الجشع. «القائد الذي يفهم الطاو حرّ من الجشع. ولا يُعلي الأموال العسيرة المنال» (طاو تي تشينغ 64). ومثل هذا القائد يرى أنه «لحكم البشر وخدمة السماء، لا شيء يعدل الزهد. والزهد اتّباع الطاو مبكرًا» (طاو تي تشينغ 59). وفي معاملته البشر، يولي القائد أهمية لثلاثة أشياء: «احفظوا كنوزًا ثلاثة. أولها الرحمة، وثانيها الزهد، وثالثها التواضع» (طاو تي تشينغ 67). والطاوية تولي أكبر أهمية لمثال القائد. فإذا تنعّم القائد بالثروة وتباهى بها، تخلّى شعب ذلك البلد عن روح الجدّ والادّخار.
الطبيعة البشرية والثقافة الأخلاقية للجدّ والادّخار
الحضارة الشرقية المتمحورة حول الأخلاق لم تولد مصادفة. ولا يمكن كذلك صنعها بقرار سياسي أو بعزيمة. بل هي متشرّبة في التاريخ والتقليد. والفرق بين الشرق والغرب راجع إلى الفرق بين مفهومي العلائقية الشرقية والفردانية الغربية في الفكر الفلسفي. ففي طبيعة بشرية تولد بأنانية قوية وإيثار ضعيف، لا يُحفظ النظام الاجتماعي إلا بتقديم ثقافة أخلاقية للجدّ والادّخار. وللثقافة الأخلاقية الشرقية خلفية فلسفية مختلفة عن خلفية الغرب. فقد عرض ماكس فيبر (1864–1920) أخلاقيات العمل البروتستانتية في كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، المنشور عام 1904. وكان يُعلي كثيرًا أخلاقيات العمل البروتستانتية بوصفها الركيزة الروحية للرأسمالية. لكن أخلاقيات العمل عند فيبر تختلف كثيرًا، في جذرها، عن أخلاقيات العمل الشرقية.
أخلاقيات العمل البروتستانتية: كان يُعتقد أن «موقف الجدّ والادّخار» لدى البروتستانت، الذي ظهر بعد الإصلاح الديني الغربي في القرن السادس عشر، يتجلّى في الفرد علامةً على أنه نال نعمة الإله، شرطًا لدخول الجنة. ولذلك صار كل واحد، بحماسة دينية، يتخذ «موقف الجدّ والادّخار».495 والحجة أن روح الجدّ والادّخار هذه قادت إلى تراكم رأس المال ونموّ الاستثمار، فجعلت الرأسمالية الغربية ممكنة. ويبدو أن لهذه الفكرة صلة كبيرة بعلم الأخرويات الغربي، الممتد من العصور الوسطى حتى مطلع العصر الحديث. فلما كان يُعتقد أن المنعَم عليهم وحدهم سيخلصون حين تأتي نهاية العالم وعودة يسوع، فمن المرجّح جدًا أنهم سعوا إلى إظهار علامة العمل الدؤوب.
لكن اليوم، حتى في الغرب، قلّة من الناس يؤمنون بجدّ بنهاية دينية للعالم. ومن ثمّ تزول أخلاقيات العمل البيوريتانية، لأن أساس الإيمان بأن من يعملون بجدّ ينالون نعمة الإله ويدخلون الجنة يزول. وقد تزامن هذا التغيّر مع إطلاق العنان للأنانية في الاقتصاد الحديث، الذي أستاذه آدم سميث، حتى ظهر في الغرب، على خلاف الشرق، موقف «التمتع باللذة فورًا كلما أمكن» مع ثقافة الاستهلاك. ويعرض نيال فيرغسون، في كتابه الصادر عام 2011، الحضارة: الغرب والبقية، بالتحديد الارتباط بين أخلاقيات العمل والتديّن في الغرب. أي إنه يخلص إلى أن أخلاقيات العمل في أوروبا أضعف بكثير منها في أمريكا، وأن الأوروبيين أقل تديّنًا من الأمريكيين. ويقدّم إحصاءات تفيد أن الأمريكيين يعملون أكثر من الأوروبيين بنحو 20%، وأن ارتياد الكنائس يبلغ 36% عند الأمريكيين مقابل نحو 10% عند الأوروبيين. 496
أما أخلاقيات العمل الكونفوشيوسية في الشرق، على العكس، فلما كانت تُمارَس من أجل الذات، فهي تُمارَس بدافع حاجة داخلية، بلا صلة بتغيّرات النظرية الدينية أو بالمصير الذي تعلنه عقائد نهاية العالم؛ فيمكن القول إن لها أساسًا متينًا. ومجلة ذي إيكونوميست تذكر قيمًا آسيوية: «التعليم، والجدّ، والادّخار، وموقف إرجاء متعة الحاضر من أجل إنجاز أعظم في المستقبل». 497 ويشير فيرغسون أيضًا، في الكتاب المذكور آنفًا، إلى أنه، باتخاذ الأمريكيين مرجعًا بين الأوروبيين والأمريكيين والشرقيين، يعمل الأوروبيون أقل من الأمريكيين بنحو 20%، والشرقيون أكثر بنحو 30%، ويصف أخلاقيات العمل الشرقية بأنها الأقوى.
من أخلاقيات العمل، ما يمسّ الاقتصاد السياسي مباشرة أكثر من غيره هو الجدّ والادّخار: كم يعمل المرء بجدّ وكم يدّخر. وفي ذلك، تنطبق أخلاقيات العمل الشرقية على الأفراد والقبائل والدولة، وتُظهر نسب استثمار وادّخار عالية جدًا مقارنةً بالغرب. ويقارن فيرغسون في كتابه بين الدين العام المرتفع جدًا في الغرب ومشكلاته. ويشير الصحفي الاقتصادي والمؤلف الأمريكي بول بلوستاين إلى أن الولايات المتحدة تواصل شراء السلع الأجنبية بدولارات تستطيع طبعها كما تشاء، وأن ذلك يتراكم كما هو دينًا أمريكيًا. 498 ولاحظ فيرغسون أن الدين الأمريكي، الذي كان 32% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2001، قفز إلى 66% عام 2011، وتوقّع أنه، إذا استمرت الوتيرة الحالية، سيرتفع إلى 90% عام 2021، و150% عام 2031، و300% عام 2047. وما يجعل المشكلة أخطر في الولايات المتحدة أن هذا الدين العام الهائل لا يشمل نحو 100 ألف مليار دولار من التزامات التأمين الصحي والضمان الاجتماعي والمعاشات؛ فالمالية العامة الأمريكية إذن في حال خطيرة جدًا. ويشخّص أنها في حال أسوأ من حال اليونان حين عرفت صعوباتها.499
ما يُسمّى العجزين التوأمين، حيث يقع عجز الميزانية وعجز الميزان التجاري في وقت واحد، يُطلق في البلد أزمة اقتصادية لا تُطاق. ولا يُستثنى إلا البلدان التي تملك عملة احتياط، كالولايات المتحدة، لأنها تستطيع أن تواصل طبع النقود. ولهذا تحفظ الولايات المتحدة قوتها وهي تراكم العجزين التوأمين. فإلى متى يمكن أن تدوم هذه الحال؟
ما كان مفكرو التنوير الغربيون يجدونه أغرب ما يكون وأعسره فهمًا أن الحضارة الشرقية كانت تملك منظومة أخلاقية ممتازة بلا مفهوم الإله. ففي شأن الأنانية الفردانية، ولّد إطلاق الغرب العنان لها ثقافة الاستهلاك والدين الغربية، وولّد الفكر الشرقي في إدارة الأنانية الفردانية وضبطها ثقافة الجدّ والادّخار الشرقية. فللشرق، في الأخلاق التي تؤسس حضارته، مواطن قوة في أسسه قياسًا بالنظام السياسي الاقتصادي الغربي. وهي تتجلّى في حسّ أخلاقيات العمل. فإذا كانت للشرق، في جذره، قدرة تنافسية أقوى ومستقبل أسطع من الغرب، فذلك بالتحديد بفضل حسّ أخلاقيات العمل هذا. ولهذا تهمّ الأخلاق في الاقتصاد السياسي. فالجدّ والادّخار، أو ضرب المثل، لا يمكن أن يحدّدها القانون. بل هي من شأن الأخلاق.
لأخلاقيات العمل هذه جذور عميقة. فبوافر، أحد المفكرين الفيزيوقراطيين الفرنسيين الذين رأيناهم آنفًا، سافر إلى الشرق في منتصف القرن الثامن عشر وكتب ما يلي في أخلاقيات العمل الشرقية:
كان الكسالى موضع أشدّ الازدراء. فكان الخامل يُعامَل بوصفه عضوًا في المجتمع ينخره كالطفيلي. ولم تكن الحكومة كذلك تترك هؤلاء الخاملين وشأنهم… فتقليديًا، كان يُفترض أن يعمل كل واحد، وكانت الفكرة منتشرة انتشارًا عميقًا واسعًا في الشعب أنه إذا لم يعمل أحد في زاوية من البلد، جاع أحد في زاوية أخرى وتضرّر من ذلك.500
أخلاقيات العمل الراسخة الجذور التي اكتشفها بوافر في الشرق في القرن الثامن عشر وأُعجب بها تُعلي التربية والاعتدال وتهذيب النفس في الشرق، بتشديدها على الأخلاق. ولذلك شُدّد على أهمية التربية في الشرق مبكرًا. فقد شدّد كونفوشيوس على أن «بالطبيعة يتقارب البشر؛ وبالتربية يتباعدون كثيرًا»، وأنه «في التربية لا تمييز بين الطبقات». فالتربية الشرقية، القائمة على الطبيعة البشرية، تتركّز على ثقافة أخلاقية للجدّ والادّخار وعلى تكوين القادة.
منظومة القيم الكامنة في الثقافة الروحية للشرق، الكونفوشيوسية (تقليد إعلاء التربية والجدارة، وثقافة الأخلاق الكونية والجدّ والادّخار)، والطاوية (الفكر السياسي الاقتصادي للضرائب الخفيفة والحكومة المتواضعة، والانسجام بين الطبيعة والإنسان)، والبوذية (فكرة الرحمة، وقيمة عدم التعلّق بالممتلكات)، لبّها القيم الأخلاقية التي تهملها الفلسفة الغربية. وبكلمة واحدة، هي الجدّ والادّخار. وأخلاقيات العمل التي تشدّد عليها التربية مسألة لا قانون، بل أخلاق. وما تلحّ عليه الأخلاق هو بالتحديد اليقظة إزاء الجشع. والتمييز بين طلب الربح والجشع يمكن مقاربته بالأخلاق. ومثل هذا الوعي الأخلاقي لا يمكن أن يتجذّر في المجتمع إذا لم يضرب القائد المثل.
مثال القائد: فكرة القائد (君子) والحكيم (聖人)
تتركّز الحضارة الشرقية على كيفية تكوين القادة وجعلهم يحكمون البلد. ففكرة الحكيم الطاوية تشبه فكرة القائد (君子) الكونفوشيوسية. ففكرة القائد الكونفوشيوسية تُبرز الإنسان الأخلاقي الذي يؤدّي التهذيب الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية، وفكرة الحكيم الطاوية تقدّم الإنسان المثالي الذي يصير واحدًا مع الطبيعة ويحقق التلقائية باللافعل. لكنهما كلتيهما تدلّان على القائد. والفكر الشرقي، بالمقابلات بين القائد والمشارك (شياو رن، 小人) في الكونفوشيوسية، والحكيم والشعب في الطاوية، يشدّد على دور القائد الذي يجعل الناس يتّبعون القائد أو الحكيم بدلًا من المشارك أو عامة الشعب، أي الجماهير. والتشديد على الدور الأخلاقي للقائد على الصعيد السياسي الاقتصادي مهم خاصةً في التربية الشرقية.
الدور الأخلاقي للقائد يُشدَّد عليه خاصةً في منظومة العلائقية، التي تقابل بين القائد والمشارك. أما الغرب، فمتّبعًا الفردانية في التربية وتهذيب الإنسان، يشدّد على الكمال الفردي. ففي اليونان القديمة أيضًا، كما يُرى عند أفلاطون وأرسطو، كان يُشدَّد على أهمية التربية، لكن التربية كانت تركّز على اكتساب الفرد للمعارف، وطلب السعادة، وما إلى ذلك. فأخلاق أرسطو تُبرز فضائل كالعدل والشجاعة والاعتدال والسخاء وعقيدة الوسط، لكنها تشرح منطقيًا كيف تجلب هذه القيم الأخلاقية السعادة الفردية؛ ولا تُبرز كيف يمكن أن تُنمّى هذه القيم الأخلاقية بالتربية وأن تُسهم في المجتمع. والأخلاق لسبينوزا، المنشورة في الغرب في القرن السابع عشر، تستهدف كذلك، لا تنمية فضيلة فردية متمحورة حول الجدّ والادّخار وخدمة المجتمع وتربيتها، كـالحوارات الكونفوشيوسية أو طاو تي تشينغ الطاوي، بل «الإنسان الحرّ»، بالبحث في طبيعة الإله والطبيعة البشرية. أما المنظومة الفلسفية الشرقية، على العكس، فلا تستهدف كشف «ماهية» الأشياء، بل «الممارسة». فهي تتركّز على تكوين قادة صالحين.
عدم السماع أدنى من السماع، والسماع أدنى من الرؤية، والرؤية أدنى من المعرفة، والمعرفة أدنى من الفعل. فغاية التعلّم في الممارسة. (شيون تسي 8: 9)
الفكر الذي يجعل ثقل التربية على تنمية فضيلة كل فرد يبدأ في الغرب مع لوك. فهذه الفلسفة الشرقية في التربية، التي أُرسيت في القرن الخامس قبل الميلاد، عُبّر عنها لأول مرة في الغرب بعد ألفي عام على يد لوك (1632–1704): «من بين كل الناس الذين نلقاهم، تسعة من عشرة هم ما هم عليه، خيّرين أو أشرارًا، نافعين أو غير نافعين، بتربيتهم». وكان، ككونفوشيوس، يؤمن بأن «كل البشر يولدون متساوين».501 لكن ثمة فرقًا مهمًا بين الفلسفة الشرقية في التربية وفلسفة لوك. فهو، بوصفه مفكرًا غربيًا مقيّدًا بالفلسفة الغربية، قلّل من أهمية الغريزة، وهنا يظهر حدّ نظريته في الطبيعة البشرية. فمشكلة التربية عند لوك أنها لا تقرّ بدور الغريزة. فالبشر متساوون والتربية مهمة، لكنه، في نظريته في الطبيعة البشرية، بالغ في تقدير إمكانات الذهن، ورأى أن الذهن يتجاوز حدود الغريزة. ذلك أن قيمًا كالحرية، التي كان لوك يُعليها، لا يمكن أن تُوضع فوق غريزة حفظ الذات. فالحرية التي يعطيها الذهن للإنسان مهمة جدًا. لكن الحرية لا تستطيع أن تتجاوز مبدأ الغريزة الذي هو البقاء.
في الحضارة الشرقية، المقصود إدارة الأنانية والاحتراس منها على مستوى الأخلاق. وفي النهاية، الجواب الذي حلّ أخلاقيًا الحدّ بين الجشع وطلب الربح، الذي لا يستطيع القانون والقواعد أن يحسماه، هو جوهر فكرتي القائد واللافعل الشرقيتين نفسه. وقد أرست الحضارة الشرقية هذه المفاهيم النافعة جدًا قبل 2500 عام وتستعملها. فالقائد (君子) هو بالتحديد صورة القائد المنشود: قائد يسمو بمصلحة الشعب إلى مصلحته هو، شخص تحرّر من الأنانية الشخصية. أما المشارك، على العكس، فيدل على أكثر البشر: من يقدّم أنانيته أولًا، أينما كان. فهو غير أهل للقيادة، لكن التاريخ يُظهر أن المشاركين كثيرًا ما احتلّوا مواقع قيادية. وصورة القائد الأخلاقي، الموصوف في الشرق بالقائد والحكيم، يمكن أن تُسهم إسهامًا كبيرًا في الاقتصاد السياسي الحديث. فتصير أفضل فضائل القائد لا الثروة، بل الأخلاق.
القائد يفكر فيما هو عدل؛ والمشارك يفكر في الكسب. (الحوارات 4: 16)
القائد يضع الفضيلة في قلبه؛ والمشارك يضع الأموال في قلبه. (الحوارات 4: 11)
فكرة القائد وفكرة اللافعل مرتبطتان. فقد غرستا في الحضارة الشرقية فلسفة سياسية اقتصادية تسعى إلى تقليص الجانب المصطنع من الفعل الإنساني إلى أدناه. وهي تحذّر خاصةً من تدخّل القائد. فتأكيد طاو تي تشينغ أن «القائد ليست له خطط خاصة به، بل يجعل خطط الشعب خططه» (طاو تي تشينغ 49) يرمي إلى إدارة أنانية القائد. ولذلك فالتأكيد أن «القائد إذا قاد الدولة باللافعل، اكتمل الشعب من تلقاء نفسه» (طاو تي تشينغ 57) هو بالتحديد إدارة تلك الأنانية التي هي الدولانية. وهذا يلتقي بتأكيد سيما تشيان في السجلات التاريخية: «أفضل وسيلة لإدارة الدولة أن يُترك الشعب يفعل ما يريد… وأسوأها أن يُنافَس الشعب في طلب الكسب» (السجلات التاريخية 129: 1). وكلها فلسفات احتلّت مكانها فكرًا سياسيًا اقتصاديًا شرقيًا قبل الميلاد؛ أما في الغرب، فلا تظهر مثل هذه الفلسفة السياسية الاقتصادية لأول مرة إلا في مطلع العصر الحديث، بعد الشرق بألفي عام.
في الشرق كما في الغرب، أكبر معضلة كامنة في الاقتصاد السياسي التمييز بين طلب الكسب والجشع. فطلب الكسب محرّك اقتصاد السوق. فبدونه لا يقوم اقتصاد السوق. وفي الوقت نفسه، لا بد بلا ريب من إدارة الأنانية أو الجشع اللذين يعيقان المصلحة العامة. لكن يستحيل توضيح الحدّ بينهما. ولا يمكن خاصةً تنظيمه بالقوانين أو القواعد. ولذلك تتدخل الأخلاق في هذا الميدان. والمهم هو مثال القائد. فمهما حسن القانون، إذا انتهكه القائد بشتى الطرق، فلا نفع للقانون. وأكثر ما يُلحظ في القائد تراكم الثروة. فلا بد من مبدأ أخلاقي يقضي بأن الأغنياء يعسر أن يصيروا قادة، والقادة يعسر أن يصيروا أغنياء. فالقانون يمكن الالتفاف عليه بشتى الطرق، لكن الثروة تظهر دائمًا في النهاية، ولا يمكن تسويغها أخلاقيًا.
في إدارة الأنانية، تشدّد الطاوية على أهمية دور القائد. فهي تشرح أن الدولة لا تستطيع أن تبقى وتتطور إلا إذا اتخذ القائد الإيثار أساسًا لإدارة الدولة. فتصير الأخلاق المصلحة الذاتية المستنيرة.
الحكيم لا يدّخر لنفسه. فكلما أنفق على الآخرين، ازداد احتضانًا.
وكلما أعطى الآخرين، ازداد ملكًا. (طاو تي تشينغ 81)
ترى الكونفوشيوسية والطاوية كلتاهما الأخلاق والسياسة شيئًا واحدًا لا ينفصل، وتصوّران المثال الأخلاقي في صورة القائد (君子) والحكيم؛ وإذا طُبّقا على القرن الحادي والعشرين، كان القائد والحكيم هما بالتحديد القائد المنشود. فلا بد للقائد أن يقدّم لا الثروة، بل مثالًا مبنيًا على الجدّ والادّخار. «القائد مجتهد في جمع ما هو حق. وليس مجتهدًا في جمع الثروات» (الحوارات 15: 32). ولذلك لا يدّخر القائد ثروته الخاصة، بل يتركّز على تقاسم قدراته في خدمة الآخرين. «القائد لا يدّخر لنفسه. فكلما أنفق على الآخرين، ازداد احتضانًا. وكلما أعطى الآخرين، ازداد ملكًا» (طاو تي تشينغ 81).
وهكذا، عند القائد الشرقي، تتقدّم المعايير الأخلاقية على النجاح أو الانتصار. ففي الشرق، تكوّن العلائقية حضارة تعمل مكان فردانية الحضارة الغربية. فيتخذ القائد معاييرَ الإيثارَ (المصلحة الذاتية المستنيرة)، مع ضرب المثل والنزاهة. ومثل هذه الصورة للقائد ليست غائبة في الغرب أيضًا:
حين مات، كانت كل أملاكه البيت الذي كان يسكنه… وحين غادر وظائفه العامة عام 1953، كان دخله الوحيد معاشًا عسكريًا قدره 112 دولارًا في الشهر. وحين عرضت عليه شركة كبرى منصبًا مجزي الأجر، أجاب: «لستم تريدونني أنا. بل تريدون منصب الرئيس، وهو ليس ملكي. إنه ملك الشعب الأمريكي، وليس للبيع».502
تلك هي بالتحديد أخلاق الرئيس ترومان. وهذه الروح تحظى في الغرب أيضًا باحترام كبير. فسينسيناتوس، المبجَّل رجلَ دولة ومواطنًا مثاليًا في العصر الروماني، هو بالتحديد شخصية من هذا النوع. فبعد أن خدم روما بالسلطة العليا، عاد إلى بيته متى ترك منصبه، وعاش بقية حياته فلاحًا بسيطًا. وهو الروماني الأسطوري الذي لم يطمع في السلطة وتفانى في المصلحة العامة، شخصية كان يُجلّها جورج واشنطن، أول رئيس للولايات المتحدة. وفي عام 1790، أُسست رسميًا في أمريكا مدينة سُمّيت سينسيناتي. لكن هذه الصورة للقائد النزيه المجتهد الزاهد ليست الصورة العامة للقائد في الغرب. فمن الإسكندر إلى قيصر، ومن السلالات الحديثة إلى نابليون، كان قادة الغرب القدماء منتصرين وغزاة، وكانوا يملكون في الوقت نفسه ثروات هائلة. واقتداءً بهذه الصورة للقائد، القادة الغربيون المعاصرون أغنياء. لكن، كما أشار منشيوس، إذا كان القائد غنيًا يطلب الكسب، اقتدى به معاونوه، بل الشعب كله، وطلبوا الكسب والثروة. وفي النهاية، واقتداءً بهذه الصورة للقائد، يصير الشعب كله يريد «الثروة والشهرة» بدلًا من طلب المُثُل الأخلاقية.
في الشرق، لا يزال الشعب يعدّ الجدّ والادّخار فضيلتين، والنموذج أن يكون القادة نزيهين، وأن يعيشوا، حتى بعد تقاعدهم، حياة هادئة بلا ثراء. ولا تزال هذه الفلسفة، حتى الآن، عامة في الممارسة. ففي الشرق، يعسر على الأغنياء أن يمارسوا السياسة، ولا يستطيع الأغنياء أن يستولوا على الصحافة. وهذا يتباين مع الولايات المتحدة، حيث يملك أغنى الأغنياء، كماسك وبيزوس ومردوخ وإليسون، وسائل إعلام كبرى ويوسّعونها. وتلك هي خلفية الحكم القائل إن «من يتحكم في وسائل الإعلام يحكم العالم».
في الفكر السياسي الاقتصادي الشرقي، الأخلاق هي التي ترسم الحدّ بين طلب الربح والجشع. فأن تستولي شركة كبرى على وسيلة إعلام هو، في الشرق، جشع ينتهك الاستقلال، وفي الغرب، طلب للكسب يحتفي بالحرية. وأن يصير الأغنياء قادة، أو يصير القادة أغنياء، هو، في الشرق، انتهاك للاستقلال يخرج عن اللافعل، وفي الغرب، مذهب «دعه يعمل» يطلب الحرية. وهذه التمييزات ميدان لا يستطيع القانون أن ينظّمه في المنظومة الغربية لفكرة الفعل (يو وي، 有爲). أما في المنظومة الشرقية لفكرة اللافعل، فهي لبّ الأخلاق.
روح الجدّ والادّخار لدى الشعب، وتقليد مثال الفقر الشريف لدى القائد: هذا ما لا بد من حفظه. ففي ذلك يستطيع الاقتصاد السياسي الشرقي أن يواجه الأنانية الفردانية مواجهة ناجعة، وهذه بالتحديد النقطة التي يستطيع بها الشرق أن يحفظ تفوّقه على الغرب في أسس اقتصاد السوق. وعلى صعيد الفكر، فإطلاق العنان للأنانية، الكامن في النموذج السياسي الاقتصادي الغربي، يشكّل وجهًا من عملة وجهها الآخر نظام اقتصادي للاستهلاك والدين، وإدارة الأنانية، الكامنة في الأسس السياسية الاقتصادية الشرقية، تشكّل وجهًا من عملة وجهها الآخر نظام اقتصادي للجدّ والادّخار. ففي أي مجتمع لا يستطيع الجميع أن يصيروا أغنياء. لكن المجتمع يستطيع أن يتعاون لمساعدة الفقراء. وفي مجتمع يتعاون هكذا، لا بد أن يدافع القائد عن المصلحة العامة وأن يضرب المثل في الجدّ والادّخار. تلك هي العلائقية.
يطرح الاقتصاد الغربي، على أساس الفردانية، المنطق القائل إن الناس حين يغتنون، تتقلّص الفجوة بين الأغنياء والفقراء بأثر التساقط. أي إنها النظرية القائلة إن المنافع والموارد حين تتركّز في الطبقات العليا (الأغنياء، والشركات الكبرى، وغيرهم)، تنتهي إلى التساقط، بالاستثمار والاستهلاك والتشغيل، حتى الطبقات الدنيا (عامة الناس، والشركات الصغيرة والمتوسطة، وغيرهم)، فينمو الاقتصاد كله. لكنها نظرية يمكن تفسيرها في اقتصاد «الدولة الغازية»، الذي سند طويلًا الاقتصاد الغربي من العصر اليوناني الروماني حتى عصر غزو العالم في مطلع العصر الحديث. ولا يمكن تفسيرها متى انتقل الغرب نفسه، في مطلع العصر الحديث، إلى النظام الاقتصادي لـ«الدولة القومية». فدعم الطبقات العليا يقود إلى القبلية، ولا ينتهي إلا إلى إفقار الطبقة الوسطى وتعميق الفجوة بين الطبقات العليا والدنيا.
الأخلاق السياسية والنموذج السياسي الاقتصادي للجدّ والادّخار كامنان كمونًا عميقًا واسعًا في الحضارة الشرقية. وخاصةً تقليد مثال القائد، بوصفه منظومة فلسفية قائمة على العلائقية، يمكن أن يُرى أسلم وأمتن بكثير من نظيره في الغرب. لكن إذا تخلّى الشرق، وهو يتعلم المؤسسات والمعايير الغربية القائمة على الفردانية، عن ثقافته وتقليده في الجدّ والادّخار، فسينتقل من أمة الجدّ والادّخار إلى جماعة أمم الاستهلاك والدين. وعندئذ سيفقد الشرق مستقبله مع أخلاقيات عمله القائمة على الجدّ والادّخار. وعلى العكس، إذا استطاع الشرق، وهو يتعلم مؤسسات اقتصاد السوق الديمقراطي الغربية، أن يحفظ روحه في الجدّ والادّخار وتقليده في إعلاء التربية والجدارة، فسيملك منظومة ثقافية سياسية اقتصادية يستطيع أن يقدّمها للمستقبل. بل سيُسهم الشرق في إدارة أفضل للاضطرابات التي تواجهها البشرية: الاستقطاب وثورة الذكاء الاصطناعي.